الشعب هو الأقدر على المحاسبة.. حين تأتي الساعة../ طلال عوكل

لست أدري أي عقل يستطيع أن يعثر على مثل التعبيرات البذيئة التي يستخدمها سياسيونا خلال هذه الفترة، في التعبير عن مواقفهم ازاء ما يجري، انهم يستخدمون عنفاً لفظياً يوازي العنف الذي يسود الشارع ولا نستطيع نحن الكتاب ان نعبر عن مستوى ما يشكله من خطر وينطوي عليه من ادانة، بما يليق به من اوصاف وكلمات. ما يسود الساحة الفلسطينية جديد على قاموس النضال الوطني الحديث، وهو مخيف من حيث تداعياته على الثقافة والتربية الوطنية والاجتماعية، فإن كان هذا هو دور القيادة ومستواها فأي دور ومستوى ننتظره من الناس العاديين.

بالطبع لست اخشى من ان يؤدي العنف النظري والعملي الجاري، الى الانزلاق نحو حرب اهلية يدرك الجميع انها في غير مصلحتهم، فضلاً عن انها لا تخدم اية مصلحة للشعب الفلسطيني، ومع ذلك فإن ما يجري ينطوي على مخاطر كبيرة وأكيدة على الشعب الفلسطيني وقضيته بما في ذلك على قواه السياسية، وعلى خياراته الديمقراطية.

بين اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم السبت الماضي التاسع من الشهر الجاري حين قدمت توصية للرئيس محمود عباس بإجراء انتخابات مبكرة والسبت الماضي السادس عشر من الجاري، حين ألقى الرئيس عباس خطابه المهم الذي قرر فيه اجراء هذه الانتخابات، وقعت أحداث عنف غير مسبوقة من حيث بشاعتها وخطورتها، فلقد قتل بدم بارد الاطفال الثلاثة ورابعهم مرافق العقيد بهاء بعلوشة، وجرى اطلاق النار على موكب رئيس الحكومة اسماعيل هنية فقتل مرافقه وجرح ابنه ومستشاره، وجرى ايضاً اجتياح المعبر الوحيد وهو معبر رفح الذي تعرض للتدمير والتخريب، حتى فقد صلاحيته للعمل.

العنف الذي ساد خصوصاً قطاع غزة، قبل خطاب الرئيس يشكل تصعيداً لظاهرة الفلتان الأمني وفوضى السلاح التي تجتاح الاراضي الفلسطينية خلال السنوات الست الماضية وتفاقمت بصورة رهيبة خلال العام الحالي، لكنها قدمت مؤشراً قوياً على مسؤولية القيادة السياسية ازاء هذه الظاهرة. كان من الواضح ان الاوضاع يمكن ان تهدأ او تنفجر بالقدر الذي تريده القيادات السياسية، ففي حالات الحوار والتفاهم، يسود الهدوء، ثم ينفجر فجأة مع ظهور الخلافات السياسية.

القيادات السياسية ليست فقط من يقرر متى وكيف تندلع الأحداث ولكن تصريحاتها الموتورة والتحريضية، وما تتميز به من اتهامات صعبة، كانت دائماً تشكل المقدمة، وتمهد الارضية المناسبة، لاندلاع الاشتباكات، وتعميق حالة العداء، بين الناس وبين القواعد الحزبية، والأذرع العسكرية.

وكما يمكن أن نسجل استغرابنا الشديد حتى الذهول ازاء قتل أطفال، او توجيه النيران على مسؤول فلسطيني، او بتصعيد العنف اللفظي بطريقة لا تليق بمن يسمي نفسه قائداً للشعب الفلسطيني فإننا نستغرب بشدة، أن تظهر وتستخدم كافة انواع السلاح من الرشاشات الثقيلة الى الهاون وقاذفات الصواريخ، لتنال من فلسطينيين او مؤسسات فلسطينية.

وزير الداخلية الأستاذ سعيد صيام، حذر من ان هناك أيادي قد تكون مدفوعة من قبل الكيان الصهيوني، تلعب دوراً في تأجيج الوضع، وهذا قد يحصل لكنه لا يمكن ان يحصل لولا وجود هذا الاشتباك الواسع والذي تتحمله القيادات الفلسطينية التي تقرر خوض معاركها السياسية والتعبير عن مواقفها من خلال المسلحين والسلاح.

الواقع ان على القيادات الفلسطينية أن تعود الى رشدها، وأن تتحلى بالحكمة اللازمة والتي تليق بوصف القيادي، من خلال التزامها هي بأصول ولغة الحوار، وإصدار الاوامر الفورية لتوقف هذا الحوار الدامي، والعودة الى طاولة حوار العقل لحل خلافاتها السياسية التي ادت الى شلل كامل لحياة الفلسطينيين وليس فقط للنظام السياسي.

الرئيس محمود عباس ادلى يوم السبت بروايته كاملة، وحدد مواقفه بكل وضوح ازاء القضايا السياسية وقضايا الخلاف، وكان من الاولى أن تقابله الاطراف الاخرى والشخصيات الاخرى إن أرادت، بأن تقدم للشعب رواياتها وأن تحدد مواقفها بكل وضوح، وأن توجه ما تشاء من انتقادات وتتخذ ما تشاء من مواقف وسياسات، وأن يسعى أي كان لتجنيد الجمهور الفلسطيني لصالح مواقفه وسياساته، ولكن يبدو ان الجمهور ليس على قائمة الاهتمام.

يخطئ من يعتقد ان الناس مجرد قطيع يمكن ان تقوده بالعصا، وانه كالزيتون لا يؤكل الا بعد تشريحه او اخضاعه لعملية رص بالقوة، فالشعب الفلسطيني الذي صبر وصمد وضحى لا يمكن ان يخضع، حتى وإن بدا انه غير قادر على التعبير عن رفضه لما يجري وبطريقة سلمية، في ظل انتشار البنادق وسيطرة لغة الرصاص.

الكل يعرف ان الرئيس محمود عباس، قد ختم خطابه الطويل بجملة مفهومة توضح خياراته، فهو كما قال سيظل يعمل من أجل حكومة وحدة وطنية من الكفاءات لكن هذا العمل لن يستمر الى الابد، فإذا لم تنجح القوى السياسية في التوصل الى مثل هذه الحكومة، او اية حكومة يمكن ان تؤدي الى رفع الحصار، فإنه سيضطر الى الدعوة لانتخابات مبكرة، بمعنى ان يعيد المسؤولية الى الشعب، الذي عليه ان يقرر باعتباره مصدر كل السلطات.

قد نختلف او نتفق على صلاحيات الرئيس ازاء هذه النقطة، ولكن لماذا لا ندع اهل القانون من ان يقوموا بدورهم فيحددوا ما يمكن او لا يمكن ان يفعله الرئيس او غير الرئيس؟ الناس يريدون حلاً، ومن لا يقتنع بأن استمرار الحال على حاله، يقدم حلاً، فإن عليه ان يتقدم برؤيته للحل، فإن كانت حكومة وحدة وطنية فهذا افضل الخيارات وأسلمها، أما إن كان ذلك غير ممكن فإن على هؤلاء أن يقدموا الحل، وليس الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. واذا كانت التصريحات النارية التي تصدر منذ يومين تعدنا بالمزيد من القتال والاشتباكات والتخريب خلال الاسابيع القادمة، خصوصاً خلال الاحتفالات بانطلاق فتح والثورة في بداية العام القادم، أسوة بما يعتبر تخريباً على احتفالات حركة حماس هذه الايام، فإن واقع الحال والخوف من القادم يستدعي التدخل بسرعة لأن الدم يجر المزيد منه.

الرئيس علي عبد الله صالح رئيس اليمن، اتصل بالطرفين الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي خالد مشعل، وقد استجاب الطرفان لدعوة وقف الاشتباك والعودة الى الحوار، غير ان هذه الدعوة الكريمة لا يمكن ان تغني عن ضرورة تدخل القوى السياسية والشخصيات الوطنية التي نجحت في اكثر من مرة في وأد الفتنة.

لدينا متسع من الوقت حتى نصل الى الانتخابات، وقد لا تجرى هذه الانتخابات في حال توصلت الاطراف الى اتفاق ولكن من غير الممكن أن يتم ذلك في ظل الاشتباكات الجارية، ومن غير الممكن أيضاً أن يمتد الحوار والحصار الى المزيد من الاشهر، على هذا المحك يمكن للشعب أن يحكم على سلوك الاطراف المعنية، وعلى هذه الاطراف أن تقيّم حساباتها على أساس أن الشعب هو الأساس، والقادر على المحاسبة حين تأتي الساعة حتى لو طال انتظارها قليلاً.


"الأيام"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018