سفير عربي يسأل أحد المعارضين: هل باشرتم بالبناء في وسط بيروت؟!/ عماد مرمل

غادر عمرو موسى.. عاد عمرو موسى..
لعل أهم ما في حركة الامين العام لجامعة الدول العربية هي الحركة بحد ذاتها بمعزل عن نتائجها. يكفي انها تملأ «الفراغ» و«الوقت الضائع» بذلك المزيج الذي اخترعه: نصف نجاح ونصف فشل..

يدرك موسى ان النجاح الكامل صعب جدا في هذه الظروف الدولية والاقليمية، ولكنه يدرك أيضا ان الفشل التام ممنوع أيضا لان أحدا لا يستطيع ان يتحمل مسؤولية تبعاته.

وبهذا المعنى، فان موسى يتحرك ضمن هامش ضيق لا يتيح له «اختراع البارود»، بل ان أقصى ما يستطيع فعله في هذه المرحلة الانتقالية الضبابية هو منع «برميل البارود» الذي يجلس عليه لبنان من الانفجار الكبير أو على الاقل تأجيل انفجاره أطول وقت ممكن، أملا في ان يظهر عنصر جديد يتيح تعطيل الصاعق وسحب الفتيل.

من هنا، يعتقد قيادي حزبي مواكب للاتصالات السياسية ان سقف مهمة موسى لا يتعدى في ظل المعطيات الراهنة حدود ترتيب هدنة تكون قابلة للحياة الى ما بعد فترة الاعياد، لان عواصم القرار لم تمنحه أوراقا رابحة يستطيع ان يحملها معه في جعبته، إلا إذا حصلت مفاجأة من العيار الثقيل تتيح له خلال زيارته الثانية الى بيروت التي تبدأ اليوم تطوير الهدنة الى تسوية.

هذا المناخ الداخلي يتقاطع مع المناخ الاقليمي الذي عكسه بعض الزوار اللبنانيين لدمشق مؤخرا، ويقول أحد العائدين منها حديثا بعدما التقى مسؤولا كبيرا فيها انه يمكن اختصار رؤية القيادة السورية الى ما يجري حاليا كالآتي:

ـ الوضع الداخلي للنظام متماسك ومتين ولا خوف او خطر عليه.

ـ هناك قلق حقيقي على مصير الساحة الفلسطينية في ظل المحاولات الاميركية والاسرائيلية الدؤوبة لاشعال فتنة بين الفلسطينيين ولكن ما يريح القيادة السورية بعض الشيء وجود اتجاهات في حركة فتح ترفض الانجرار الى مواجهة داخلية «مع الاخذ بعين الاعتبار انها قد لا تستطيع فعل الكثير إلا ان لديها بالتأكيد امكانية التأثير على مسار الأحداث».

ـ العلاقة السورية ـ السعودية ما تزال سيئة.

ـ ليس لدى الرياض ما تقدمه الى عمرو موسى إما لانها لا تملك القدرة وإما لانها لا ترغب.

ـ استغراب لإزدواجية بعض المواقف الاميركية التي تؤكد من جهة ان لبنان ليس مادة للتفاوض مع سوريا فيما تصل الى دمشق من جهة أخرى عروض فحواها: «سهلوا أمورنا في العراق، نسهل أموركم في لبنان». ولكننا رفضنا هذا الطرح ـ وفق ما نُقل عن مسؤول سوري كبير ـ لانه ليس واردا ان نوافق على «دور متواطئ» في العراق لا نقبل به، من أجل ان نأخذ في لبنان ما لا نريده.

ـ استهجان لسلوك بعض الشخصيات الاميركية التي تكون فائقة التهذيب في دمشق ثم تصبح قليلة التهذيب عندما تصل الى بيروت (في إشارة الى موقف السيناتور الاميركي نيلسون الذي قال في بيروت انه خاض نقاشا حادا مع الرئيس بشار الاسد حول لبنان).

ـ لم يثبت الاوروبيون بعد انهم مستقلون عن الولايات المتحدة الأميركية في سياستهم الخارجية تجاه المنطقة، والموفدون الذين يأتون إلينا هم رسل يحملون طروحات أميركية أكثر منهم موفدين بخصوصية أوروبية.

في هذه الأثناء، بدا أمس ان المعارضة باشرت في ولوج المرحلة الثانية من الهجوم السياسي مع تأكيد العديد من رموزها ان مطلب إجراء انتخابات نيابية مبكرة يزداد إلحاحا نتيجة إصرار فريق السلطة على رفض تشكيل حكومة وحدة وطنية تحوي«الثلث الضامن».

أما المرحلة الثانية من التحرك الميداني فيبدو ان إطلاقها ينتظر انتهاء فترة الاعياد، من دون ان يعني ذلك ان الاعتصام المفتوح في وسط بيروت سيفقد زخمه، بل ان المنظمين يعملون على الاستفادة من أجواء عيدي الميلاد ورأس السنة وعيد الاضحى لضخ دم متجدد في عروق الاعتصام، من خلال التركيز على إقامة احتفالات مشتركة بهذه المناسبات في ساحتي رياض الصلح والشهداء.

تجزم أوساط المعارضة بان لا خروج على الاطلاق من الشارع، قبل ضمان الدخول الى السلطة بالحجم المطلوب. تعلم المعارضة ان المعركة هي بالدرجة الاولى معركة «عض أصابع»، ولذلك فانها ليست في وارد ان تصرخ أولا، وقد اختصر رئيس مجلس النواب نبيه بري المعادلة عندما بادر خلال استقباله وفدا حزبيا الى وضع إصبعه بين أسنانه ثم شدُ عليه، لتصل الرسالة الى ضيوفه بهذه الإيماءة.

وعليه، يدور نقاش بين بعض شخصيات المعارضة حول كيفية تفعيل الضغط الشعبي لاحقا عن طريق تطوير التكتيكات المستخدمة، على قاعدة تجنب خطر المراوحة من جهة ومنع تشويه التحرك بـ«الآسيد» المذهبي من جهة أخرى. يتطلب ذلك، كما يقترح أحد المعارضين، ان تتقدم الاحزاب الوطنية غير الطائفية الى الصفوف الامامية للشارع بما يصحح مشهد الصراع ويضعه في إطاره السياسي الصحيح، إضافة الى تزخيم مشاركة القطاعات والهيئات النقابية والعمالية في ممارسة الضغط على السلطة، تحت شعارات مطلبية صافية، هي في واقع الأمر لا تقل شأنا عن الشعارات السياسية المرفوعة، بالنظر الى الاحوال الاقتصادية والاجتماعية الشديدة السوء التي يمر بها معظم اللبنانيين، في الموالاة والمعارضة.

في هذا الوقت، لا يخفي سفير عربي معني بالأزمة اللبنانية، قلقه مما يدور في الشارع وخلفه، وهو سأل أحد قياديي المعارضة: هل صحيح انكم بدأتم بالبناء في وسط بيروت؟ فأجابه مبتسما: سعادة السفير.. ما تتكلم عنه لا يعدو كونه قواعد للخيام المنصوبة بغية الحؤول دون تسرب المطر الى داخلها.

"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018