الانفتاح السعودي على «حزب الله» ينقـّي الصورة.../ نبيل هيثم




قد يكون السؤال عما دفع الى الانفتاح السعودي ـ المصري، وكذلك التركي، على «حزب الله»، بذات الاهمية، وربما اكثر من السؤال عن النتائج التي تحققت، وخصوصا من اللقاء الذي تم بين السيد حسن نصر الله والسفير المصري، بناء على طلب ملحّ ومباشر من «القيادة المصرية»، ومن «اللقاء الاستثنائي» بين الملك عبد الله بن عبد العزيز ووفد «حزب الله» في جدة... من حيث شكله ومكانه وزمانه وحضوره ومضمون أبحاثه، والصراحة المطلقة التي حكمت النقاش حول أدق التفاصيل المحلية والاتفاقات، التي اطيح بها، بدءاً من اتفاق الرياض والى آخر ما تلاه، والرؤية السعودية التي انقشعت حيال الحقائق اللبنانية والأحجام الفعلية للقوى، والصورة التي تمت تنقيتها من «الغباشة» او الغبار الذي تبيّن انه كان يحجب قصدا المشهد اللبناني، وحقيقة المواقف، وخصوصا حيال المحكمة الدولية وغيرها كثير جرى استعراضه في البلاط الملكي الذي غمرته دهشه واستغراب. لقد سمع الملك وصحبه تفاصيل ووقائع مثبتة، مناقضة تماما لـ«الصورة المنقولة».
القراءات السياسية الداخلية لانفتاح الدول الثلاث «العظمى سنيا» في المنطقة على الشيعة، تتقاطع عند اعتباره مباغتا لفرقاء الداخل، سواء في الموالاة او في المعارضة. فالعلاقة الثنائية، خصوصاً مع «حزب الله»، كانت منهارة تماما منذ «عدوان تموز». ثم ان اهمية هذا الانفتاح، لا تكمن فقط في مجرد حصوله، وهذا بحد ذاته حدث مهم جدا، بل في كونه يأتي في لحظة مذهبية حرجة، مقرونا بحرص مصري ـ سعودي، وبشكل خاص من قبل السعودية، على مغادرة «الطرفيّة» وموقع الرعاية لطرف دون آخر، مع ما لهذه الرعاية من انعكاسات تعمّق الانقسام... والانتقال الى الموقع الجامع بين اللبنانيين على اختلافهم وعلى مسافة واحدة من الكل، والحريص على الوحدة الاسلامية والراعي او الحاضن للمسلمين جميعا، سُنة وشيعة. هذا ما يُستخلص من المباحثات التي ابرزت قلقا بالغا من المناخ المذهبي ومخاطره، وضرورة تنفيسه وتطويقه بالحد الاعلى من الوحدة والتضامن. انما المثير في الامر، كان غياب اي حديث عن مبادرات، وسط كمّ من النصائح، والتمنيات بأن يعي اللبنانيون مصلحتهم ويعملوا على الاتفاق في ما بينهم؟
إذا كانت المبادرات لم تنفع في اتفاق الفرقاء، فهل ستنفع النصائح والتمنيات؟
لا يعتقد قطب سياسي بارز ان هذه الحركة العربية الانفتاحية، وطبعا التركية، آتية من فراغ، بل قد تكون تأسيسية لتحركات مقبلة، وفاتحة لمحاولات توفيقية أخرى، ربما تأخذ شكل مبادرات. مع الاشارة الى ان هذا الانفتاح هو مبادرة بحد ذاته، يمكن ان تتطور مع الايام. وفي رأيه ان ما يؤخر تطورها حاليا، قد يكون عدم فتح الباب واسعا من قبل الاميركيين امام التسوية، في انتظار حسم صورة «استرتيجية الادارة» حيال كيفية التعاطي مع الملف العراقي، ومع ايران، وكذلك مع ملف العلاقة مع سوريا.
حزب الله، الطرف المعني المباشر بهذا الانفتاح، ينظر بواقعية الى هذه الخطوة، وقد سمع حرصا على تبريد الاجواء وتنفيس الاحتقان المذهبي. واللقاء مع الملك عبد الله يعتبره مسألة ايجابية جدا، ومفيدة جدا في سياق ترطيب العلاقات. كما ان الابواب المفتوحة، سواء مع مصر او مع السعودية، تساعد اكثر على إنجاح المبادرات. لكن المشكلة لا يراها حزب الله لديه او لدى فريق المعارضة الذي كان من البداية منفتحا على كل المبادرات العربية، انما هي لدى الطرف الآخر، وخصوصا لدى وليد جنبلاط وسمير جعجع، اللذين لا يريدان انجاح اي مبادرة لأسباب تتصل بموقعهما ودورهما: هما يخشيان ان يأتي اي حل على حسابهما. وهذه الخشية نابعة من قناعة بأن التفاهم السني ـ الشيعي ـ إن تم ـ يُلغي اي امتيازات او مكتسبات لأي «تفصيل سياسي داخلي»، قواتي او جنبلاطي.
وفي هذا السياق، يقول قطب نيابي ان مرتكز اي مسعى عربي، يجب ان يقوم على توافق يجمع بين «حزب الله» وحركة «امل» من جهة، و«تيار المستقبل» من جهة ثانية، اي السنة والشيعة في لبنان نتيجة حساسية العلاقة بينهم، (وهذا ما يراه بوضوح الجانبان القواتي والجنبلاطي).
من هنا، تُفهم دوافع سلبية وانفعال الفريق الاكثري الحاكم، حيال الانفتاح السعودي ـ المصري والتركي على «حزب الله»، وخصوصا انه نزل عليه ثقيلا. وتطور الانفعال بعد «لقاء جدة» تحديدا، بحملة مركزة بقصد التبخيس بأهميته، والتقليل من حجم التوقعات حوله، والترويج لعدم التأسيس عليه لمتغيرات قد تطرأ على الواقع الأكثري، هذا في وقت تُبذل فيه جهود أكثرية حثيثة للوقوف على تفاصيل المباحثات التي دارت في «اللقاء الاستثنائي» والنتائج التي خلص اليها، وعلى الخطوات اللاحقة لهذا الانفتاح. غير ان اللافت في واقع الحال الاكثري، هو الانتقال في الآونة الاخيرة، من التبخيس، الى حد الكلام في بعض المجالس الاكثرية عن ان لقاء وفد حزب الله مع الملك عبد الله ليس مثمرا بالدرجة الاولى، وثانيا لن يكون له اي تأثير. فالملك ليس هو المقرر الفعلي في هذا الشأن، او بالاحرى ليس الحاكم الفعلي في السعودية. وبالتالي، لن تكون للقاء اي مفاعيل. هذا الكلام بلغ «جهات معنية ومسؤولة»، وصفته بأنه نوع من الهلوسة؟!
وتتوقف الجهات نفسها عند ما سمعه زوار سفير عربي بارز، حيال مواقف جنبلاط الاخيرة والاتهامات التي اطلقها ضد «حزب الله»، حيث وصف السفير المذكور هذه المواقف بالتخريبية. في حين تعتبر قوى المعارضة، ان جنبلاط بحملته هذه واتهاماته، كشف المستور حول المحكمة الدولية. فهذه القوى، و«حزب الله» خصوصا، لم تتعاط مع اتهامات جنبلاط على انها كلام عابر، او كما قيل عنها بأنها هلوسات او تداعيات نفسية، بل تم التعاطي معها بمنتهى الجدية وان الرجل يعرف ماذا يقول، وهو يعني كل كلمة. كان يتحدث عن مخطط واضح، وشكل كلامه لدى الطرف الآخر، هواجس كبرى ومخاوف حقيقية. فلم تعد المسألة بعد هذا الكلام والاتهامات، مسألة مناقشة ملاحظات حول المحكمة الدولية. والضرورة باتت ملحة لدى «الفريق المستهدَف»، بأن يعاد النظر في هذه المحكمة بشكل جدي وتفكيك ألغامها، خصوصا ان كلام جنبلاط ليس آتيا من فراغ. لقد بيّن الهدف الحقيقي للمحكمة وحدد استهدافاتها. لقد بدا واضحا ان المحكمة ليست مرتبطة لا بكشف حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري، ولا بالاغتيالات الاخرى. وليد جنبلاط حدد المحكمة التي يريدها هو وفريقه، اي محكمة سياسية وليست جنائية، وبالتالي لا يمكن السير بمحكمة كهذه مهما كانت النتائج، وستتم مواجهتها بكل الوسائل والامكانات، ولن يسمح فريق المعارضة بتمريرها على اي صورة سياسية. ولذلك، يجب من الآن تحديد هوية الخلاف، بأنه خلاف جذري بين فريق اكثري يريدها محكمة سياسية، وفريق يريدها جنائية لكشف حقيقة من اغتال الرئيس الحريري. وهذا الخلاف دلت الوقائع على انه عميق جدا.








"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018