محركات الوفاق العربي./ ممدوح طه

يبدو أن المدخل الذي أثبت فاعليته لتحقيق الأمن القومي العربي هو تحقيق التوافق السياسي العربي باستعادة القاطرة الفاعلة في العمل العربي لفاعليتها، وهي التي تشكلت من الثلاثي العربي المصري السوري السعودي الذي يشكل محور الأمن القومي عبر التاريخ وحتى الآن، والذي تشكل عودة فاعليته ضرورة لا بديل عنها لتحقيق التوافقات الوطنية في ساحات الأزمات العربية، الأمر الذي يقوي رصيد الفعل العربي لحل القضايا القومية وفقاً لإرادة الشعوب العربية في مواجهة المحاور الدولية أو الإقليمية.

ويبدو للكثير من العرب أيضاً دون تقليل من دور السعودية أو سوريا أو غيرهما، أن مصر هي المحرك الرئيسي والطبيعي لهذه القاطرة بحقيقة أنها الشقيقة الكبرى، وسواء بالاتفاق مع السياسة المصرية أو بالاختلاف معها فإن مصر بموقعها وواقعها، وبجغرافيتها وبتاريخها، وبوزنها البشرى والسياسي، وبتأثيرها الاستراتيجي في المستويين الإقليمي والدولي لا خيار لها ولا بديل عنها في موقع المسؤولية عما يجري في العالم العربي.

فهي بموقعها الجغرافي بين جناحي الأمة العربية المشرقي والمغربي، وبواقعها التاريخي كان شعبها في الماضي دوما هو درع أمته العربية والإسلامية ضد الغزاة في كل العصور، وهي في الحاضر ظلت تقف مع قضايا أمتها في جبهة المواجهة، وظلت تتحمل مع أمتها أعباء هذه المواجهة، لكنها ولأنها كانت أكبر ومسؤوليتها أكبر فلقد دفعت من دماء شعبها ومن رخاء شعبها ما هو أكثر، ورغم ذلك تبقى حاجة مصر إلى العرب وحاجة العرب لمصر حقيقة جغرافية وتاريخية ومستقبلية أيضاً.

ومن هنا فإن قوة مصر هي قوة للعرب وقوة العرب هي قوة لمصر، وضعف مصر يضعف العرب، وضعف العرب إضعاف لمصر، وحضور دور مصر يقوي مصر والعرب، وتراجع دور مصر يضعف مصر والعرب، وما يصح على مصر يصح على سوريا وعلى السعودية وعلى كل بلد عربي، ولكن لأن مسؤولية مصر هي الأكبر، فمسؤولية العرب هي الحفاظ على بقاء دور مصر واستمرار قوة مصر، حيث لا مسؤولية بلا إمكانية.

هذه الحقيقة كانت وصية الملك السعودي الراحل عبد العزيز آل سعود لأبنائه، وكان توجه الرئيس السوري الراحل شكري القوتلي للوحدة مع مصر عندما واجهت سوريا المخاطر، وهذه كانت ترجمتها تحرك الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لمواجهة التهديدات الإسرائيلية لسوريا عام 67 ودفع ثمن الهزيمة، وخوض سوريا المعركة إلى جانب مصر عام 73 وتحقيق النصر العسكري..

كما أنها الحقيقة التي جعلت من دور الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز أساسيا في لم الشمل العربي وتحقيق التوافق العربي و دعم صمود الجبهات العربية في قمة الخرطوم، وهي نفسها الحقيقة التي أكدها بالأمس الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والتي يؤكدها اليوم المفكر الفلسطيني المناضل عزمي بشارة باعتبار مصر هي «رمانة الميزان».

إنها الحقيقة نفسها التي انطلق منها الزعيم اللبناني «نبيه بري» قبل يومين داعيا الرئيس المصري «حسني مبارك» للقيام بمبادرة بين الرياض ودمشق لإعادة الفاعلية إلى قاطرة العمل العربي السعودي المصري السوري لتأكيد تماسك الصف العربي، مذكرا أن أي خلل في العلاقات بين القاهرة والرياض ودمشق يؤثر سلبا على إمكانية الوفاق الوطني اللبناني في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة العربية.

إن الأزمات التي تشهدها أمتنا العربية البالغة حد المآسي الوطنية والقومية في فلسطين والعراق والسودان والصومال ولبنان إنما هي نتيجة لغياب هذا التوافق الوطني بما لم يمنع من البداية وقوع مثل هذه الأزمات، وفي نفس الوقت فإن غياب التوافق القومي هو الذي يمنع حاليا من جمع الأطراف المختلفة على طاولة حوار يصل إلى توافق وطني، وإن تحقيق الوفاق العربي يظل هو الشرط الضروري للأمن القومي الذي بدونه تتفاقم كل الأزمات وتتباعد كل الحلول.
"البيان"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018