عشية الانتخابات الإسرائيلية../ راسم عبيدات*

... لم يتبق على موعد الانتخابات الإسرائيلية سوى ثمان وأربعين ساعة، وتخوض الأحزاب الإسرائيلية سباقاً محموماً من أجل الحصول على أكبر عدد من المقاعد في الحكومة والبرلمان، والشعارات التي تخوض تحت سقفها هذه الأحزاب الانتخابات، تولي أهمية كبرى ليس للجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل الأمن والاستيطان ومحاربة ما يسمى "بالإرهاب" الفلسطيني ويهودية الدولة تتصدر شعاراتها وبرامجها الانتخابية.

ولعله من الهام جداً قوله أن نشير قبل التفصيل إلى ما تتوقعه استطلاعات الرأي ومراكز البحث والدراسات، عما ستكون عليه الخارطة الحزبية والحكومية الجديدة، فهناك شبه إجماع على أن اليمين المتطرف واليمين الوسط سيحصلون على 65 – 67 مقعداً، مما يؤهلهم لتشكيل حكومة يمينية على الأرجح يكون رأسها حزب"الليكود" بزعامة بنيامين نتينياهو، ويلعب الدور البارز في عملية التشكيل حزب"إسرائيل بيتنا" بقيادة افيغدور ليبرمان اليميني المتطرف والقادم من رحم حركة "كاخ" الإرهابية،والذي تشير استطلاعات الرأي على أن حزبه سيحصل على 17 – 19 مقعداً.

إن الخارطة الحزبية والسياسية الإسرائيلية ستشهد تطورات وتغيرات كبرى، حيث أنه ربما لأول مرة في تاريخ دولة إسرائيل، سيتم إقصاء حزب رئيسي وكبير مثل حزب العمل إلى المرتبة الرابعة، والمتوقع أن يحل حزب الليكود في المرتبة الأولى ويليه حزب كاديما في الموقع الثاني وإسرائيل بيتنا في الموقع الثالث، وحزب العمل رابعاً، أما الأحزاب الدينية مثل شاس والمفدال فستكون في المراتب الخامسة والسادسة.

ومن قراءة أولية لهذه الخارطة، نرى أن نهج وفكر وثقافة اليمين والتطرف تتجه نحو التسييد في المجتمع الإسرائيلي، وليس فقط على المستوى الحزبي فقط، بل وعلى المستوى الشعبي، ونلحظ ذلك من خلال حملات التحريض الواسعة التي تشنها الأحزاب الإسرائيلية من اليمين المتطرف وحتى اليمين الوسط، ضد أهلنا وشعبنا في الداخل- مناطق الثمانية وأربعين، حيث وصف المتطرف ليبرمان عرب 48 بأنهم أخطر على الدولة من حماس، والرد الطبيعي على مثل هذا العنصري والفاشي، هو دعم القوى الجذرية في الداخل، وعلى رأسها التجمع الوطني الديمقراطي، والذي يقف موقفاً صلباً وحازماً لصالح قضايا جماهيرنا العربية هناك، من حيث حقها في أن يكون لها هويتها القومية والثقافية الخاصة بها، وأن تكون الدولة لكل مواطنيها بعيداً عن ربطها بمسألة الولاء للدولة، على اعتبار أن جماهير شعبنا أصيلة في بلدها وليس طارئة ودخيلة، واتفقت الأحزاب الثلاثة "كاديما والليكود وإسرائيل بيتنا" على أن لا مواطنة بدون الولاء للدولة.

وفي موضوعة الاستيطان نرى أن مواقفها تتقاطع إلى حد كبير، حيث أنها ترفض تفكيك المستوطنات، وبهذا الصدد يقول نتينياهو رئيس الوزراء المتوقع للحكومة الإسرائيلية القادمة أنه يرفض تفكيك المستوطنات بحجة أن إخلاءها سيمهد الطريق لحماس لكي تسيطر عليها، وحتى البؤر والكرفانات الاستيطانية فهو يرى أنه يجب التفاوض مع قيادة ورؤساء المجالس الاستيطانية للاتفاق على إخلائها. وفيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية والعملية السياسية ومسيرة المفاوضات الجارية، فليبرمان يرى أنه يجب القيام بعملية تطهير عرقي بحق عرب 48، وعدم تقديم أية تنازلات للفلسطينيين أو إخلاء أية مستوطنات، وأنه لا تفاوض مع فصائل المقاومة الفلسطينية، بل هناك إجماع من هذه الأحزاب على ضرورة سحق وتحطيم قوى المقاومة الفلسطينية. ويجب أن يبقى راسخاً في الذهن أن نتينياهو هو صاحب نظرية "لا تنازلات مجانية للفلسطينيين"، وهو الذي تولى رئاسة الحكومة سابقاً على أنقاض حكومة العمل وبعد اتفاق أوسلو حيث رفض الالتزام بالاتفاقيات التي وقعتها حكومة العمل مع الفلسطينيين وأصر على إعادة التفاوض عليها.

من الواضح جداً أن هذه الأحزاب، وتحديداً بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في كانون ثاني/2008 ، تلعب على وتر تعميق مظاهر العنصرية والكره للفلسطينيين، ونرى أن ليبرمان يقف في المقدمة في هذا الجانب، ويحظى بثقة المجتمع الإسرائيلي لأنه يحول أقواله إلى أفعال وبدون أية مواربة كباقي الأحزاب الإسرائيلية الأخرى، وفي سياق ترسخ وتسييد الثقافة العنصرية واليمينية المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي، وجدنا أن حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة ليبرمان في استطلاع للرأي في المدارس الثانوية حصل على المرتبة الأولى.

وفي الوقت الذي نرى فيه أن هناك إجماعا بين أحزاب اليمين المتطرف واليمين الوسط والمتوقع تشكيله للحكومة الإسرائيلية القادمة، في المسائل الأساسية وهي زيادة وتكثيف الاستيطان، مواصلة عمليات القمع والاغتيال بحق الشعب الفلسطيني ونشطاء فصائل المقاومة وعدم التفاوض معها، وكذلك عدم الانسحاب إلى حدود عام 67 ،وتهويد وأسرلة القدس، وعدم الاعتراف بالهوية القومية للأقلية العربية في 48 ، وربط مواطنتها بالولاء للدولة ...الخ.

أمام هذه اللوحة والخارطة السياسية والحكومية الإسرائيلية المتوقعة، نجد أن الحالة الفلسطينية على درجة عالية من الضعف والتفكك، وتوغل في الانقسام والانشطار الجغرافي والسياسي، ورغم كل المخاطر المحدقة بالقضية والمشروع الوطني الفلسطينين، وكذلك رغم المجازر وجرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في عدوانها الأخير على شعبنا في قطاع غزة، فهي لم تخلق حالة من التوحد وتغليب للمصالح الفلسطينية العليا على المصالح الفئوية والخاصة عند طرفي الصراع الفلسطيني(فتح وحماس) من أجل تجاوز وإنهاء حالة الانقسام، بل أنه ما أن هدأت المدافع حتى عاد الوضع إلى ما كان عليه، بل وعلى نحو أسوأ من عمليات المناكفة الداخلية وحملات التحريض والتحريض المضاد، والتي ربما هذه المرة تطال وحدانية وشرعية التمثيل الفلسطيني والبيت الجامع لكل ألوان طيفه السياسي منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تتعرض للتمزيق والتدمير على مذبح الخلافات الفئوية، حيث نرى أن هذا العنوان ووفق اتفاق آذار /2005 في القاهرة، أضحى بحاجة إلى إعادة بناء شاملة تطال كل هياكله وبناه ومؤسساته، وبما يسمح بأن ينضوي تحت لوائه كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، أما استمرار هيمنة وسيطرة البعض على هذه المؤسسة والتحكم في كل قراراتها ومقدراتها ومؤسساتها، فانه سيفتح المجال أمام طرح بدائل أخرى، وبما يشكل حالة من التدمير والانتحار الذاتي للمشروع الوطني الفلسطيني.

ومع التوقعات شبه المؤكدة لما تكون عليه التشكيلة الحكومية الإسرائيلية القادمة، والتي تغرق في المغالاة والتطرف تجاه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فإنه من الضروري والهام جداً أن ترتقي القوى والفصائل الفلسطينية، وتحديداً فتح وحماس، إلى مستوى المسؤولية، وأن تبادر إلى إنهاء حالة الانقسام الجغرافي والسياسي، وبما يحمي المشروع الوطني من مخاطر التبدد والتفكك والضياع، وفي الوقت الذي يعقد فيه الطرفان فتح وحماس هدنة مع الاحتلال في الضفة والقطاع، فنعتقد أن الأولى أن يعقدوا هدنة فلسطينية داخلية، ويوحدوا ويرسموا استراتيجيات موحدة للمقاومة والتفاوض مع الاحتلال.