مصالحة.. أم وحدة وطنيّة؟!../ رشاد أبوشاور

المصالحة بين من ومن؟!
وعلى ماذا؟
وما الهدف منها؟!
ومن له مصلحة في تحقيقها؟!
وهل أي وسيط يكون صادقا في وساطته للمصالحة (الفلسطينيّة)؟!
وهل هناك أطراف عربيّة، ودوليّة، مُصلحة، لا همّ لها سوى إصلاح ذات البين، وجعل الفلسطينيين أقوى؟!

وإذا كانت الأطراف المختلفة، أو المتصارعة، أو المتقاتلة، أو المتناقضة المصالح، والأساليب، والوسائل، لا تطيق الالتقاء، والشقّة بينها بعيدة، فهل من يسعون لمصالحتها يقفون على نفس المسافة، أم لهم ( مصالحهم)، التي تدفعهم للضغط على طرف دون طرف؟! ومن بعد ( جمع) الأطراف.. في حزمة واحدة، وتجريدهم من عناصر قوتهم، تمهيدا للتخلّص منهم معا!.

أتساءل: إذا لم تكن الأطراف الفلسطينيّة، قد قربتها مأساة غزّة، ومصادرة الأراضي في الضفّة -القدس تضيع تماما.. وهم لا يسمعون، ولا يرون الكارثة- ومواصلة الاحتلال لحملات الاعتقالات اليوميّة، والقتل بالمفرد، كما يقول أهلنا (بالقطّاعي)، والقتل الجماعي، قد قشعت الأوهام عن العيون والعقول، وقرّبت بين المتباعدين، وحرّضتهم على توحيد الصفوف، فما الذي سيدفعهم للتصالح حاليّا، يعني اليوم الأربعاء -ومعه الخميس والجمعة- برعاية نظام يوثق حبل معبر رفح على عنق مليون ونصف فلسطيني؟! أي حوار هذا الذي يشرف عليه اللواء عمر سليمان مسئول المخابرات المصريّة؟!

هل الخلاف بين المختلفين الفلسطينيين أمني، أم سياسي؟ أهو خلاف على أمور عابرة، أم تناقض بين رؤيتين، واحدة تصّر على خيار المفاوضات، إن راحت ليفني، أو حضر ليبرمان ونتينياهو، وواحدة على ماذا تُصّر؟!.. التهدئة، وفّك الحصار حول القطاع، وهدنة محدودة لسنة ونصف.. مع إن عيب وخلل هذا الطرح قسره على غزّة دون الضفّة!

هناك من يرون أنه لا خيار سوى خيار المقاومة، وهو ما يتعزّز مع انتصار عتاة الصهاينة، بخطابهم غير المغطّى بمعسول الوعود، كما بيرس الثعلب النهم، و.. ليفني وباراك وأولمرت، (أبطال) محرقة غزّة!.
لباراك أياد تقطر دما قبل هذه الجريمة التي نالت قصب السبق بوحشيتها في العقد الأوّل من القرن العشرين.

لا أريد أن أقول بأننا ننتظر بلهفة حدوث معجزة المصالحة.. بين من ومن؟!
فنحن لا نصدّق بأن ينقلب أصحاب خيار (التفاوض) الذي لا خيار غيره على خيارهم، ونمط تفكيرهم، ورتابة حياتهم، فهم لا يخسرون كما يخسر شعبنا...

نحن، وقد عرفنا نتنياهو، ووصلنا من زمن غير قصير خطاب ليبرمان الترانسفيري، خطاب طرد واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم نهائيّا، لتخلو فلسطين لقطعان الوافدين من روسيا، وأوروبة، ومجاهل أثيوبيا، ليحطوا رحالهم فيها، ويستحوذوا عليها خالية من شعبها العنيد، نرى أنه لم يعد هناك أدنى مبرّر للحديث عن ( السلام)، والمفاوضات، والرهان على إدارة أوباما التي وإن لم تكن بسوء إدارة بوش، فهي لن تقدر حتّى لو رغبت على اتخاذ مواقف تصادمية مع الكيان الصهيوني، واللوبي اليهودي الأكثر صهيونيّة في قلب أميركا.

خيار المقاومة، والاستنفار الشامل هو الخيار المتاح لشعبنا، وما يعيقه هو ركض الراكضين وراء الأوهام، وعودتهم إليها مُجددا.
أي حوار لينجح يحتاج لعناصر تدفع به للنجاح: الأهداف التي تجمع المتصارعين، ونوعية المتحاورين، والجهة أو الجهات الراعيّة للحوار، هذا إن كانت هناك حاجة لوسطاء بين من ينتمون لشعب واحد، يعيش تحت الاحتلال، وتغلق عليه كافة السبل.

ليس تثبيطا، وإحباطا، أو سوداوية، ولكنني وبواقعية أطرح التساؤل التالي: هل بعد الذي جرى في غزّة، بعد الكارثة، والمحرقة، والمذبحة -والتي تصدق عليها كل هذه الأوصاف- بعد ذبح أطفالنا، وتمزيق لحمهم وحرقهم، بعد رمي ألوف من أهلنا في العراء تحت الخيام، هل بعد خيار ملايين الصهاينة بالذهاب إلى أقصى حدود التطرّف، والعنصريّة، بمبايعتهم عبر صناديق الاقتراع، وبعد محرقة (غزّة)، للبلطجي نتنياهو، وللمجرم العنصري خريج نوادي الليل في موسكو وتل أبيب ليبرمان- بمرتبة بلطجي وأزعر- يمكن أن تستيقظ الضمائر، أم إن هناك من لن يتغيّروا أبدا؟!

إذا أدرك المتحاورون، أن الخطر الداهم، والأشد من كُل ما سبق يتهدد شعبا وقضيتنا، قادم ومدعوم بصناديق اقتراع من التجمّع السكّاني الصهيوني، في ظّل حالة عربيّة مزرية الضعف، وأبعد من الضعف تواطؤ ومشاركة بعضها، الطرف الوسيط نفسه الذي يُعقد الحوار في كنفه ( نظام كامب ديفد)، وميوعة وانحياز أوروبة غير القلقة على مصالحها من عُربان جامعة الدول العربيّة، وهو خطر يتنكّر لأبسط حقوقنا، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، فيفصح عن نواياه باقتلاعنا.. فإن عليهم أن يتحركوا بوازع من ضمائر وطنيّة، ومن إدراك فداحة وجسامة مخططات عدونا، أولاً كفلسطينيين، بتوحيد قدراتنا وطاقاتنا، بوحدة وطنيّة حقيقيّة، بحيث نُحرج أي متفرّج، ونبطل حجّة من يبرر تقاعسه عن دعمنا، بأننا مختلفون، منقسمون متصارعون.

بعض من سيشاركون في هذا الحوار لا تعّز عليهم ( فتح)، فمبادؤها باتت من زمن بعيد وراء ظهورهم...
ومن يحضرون، من (حماس) ومن يدّعون تمثيل فتح المعطلّة الفاعليّة والحضور والمسروقة التمثيل والمغيّبة، والأطراف الأخرى، ومنها من تقاوم بصلابة وشرف، ومنها من لا حضور لها، وينطبق عليها السخريّة الفلاّحية عن ذلك الولد الأهبل الذي كانت أمه تزغرد له أسوة بأمهات كن يزغردن متباهيات بأزواجهن وأبنائهن الفرسان الكرماء.. وكانت تردد: وأحمد معاهم يا أختي، واحمد معاهم.

هؤلاء جميعا في حالة تنافر، وإذا ( تصالحوا) فمن المستحيل أن يحقّقوا الوحدة الوطنيّة.. ولعلّ ( الوسيط) يهدف إلى سوقهم إلى ما لا مصلحة وطنيّة فيها...

الطرفان المتحاوران الرئيسان، عليهما إن هما أدركا ما حدث، وما سيحدث، أن يتفقا على أن ينتهي زمن الرهان على المفاوضات، فالقادم عودة لصراع الوجود، في وجه الاقتلاع، والترانسفير، ومصادرة الأراضي (تأملوا ما يجري لأهل وبيوت القدس)!.

ثانيا: الانتهاء من مرحلة الصراع على السلطة الموهومة، في الضفّة و.. غزّة، فعلى الأرض السلطة للاحتلال، وبديلها سلطة المقاومة بما تتميّز به من ثوريّة، ومصداقية، وأخوّة، وعدالة، وميدانية، بقيادة رجال ونساء لا يحبذون الوجاهة، ولا يسعون للكسب المادي، والاجتماعي، ولا للعلاقة مع هذا النظام، أو ذاك، أو البروظة أمام كاميرات الفضائيات، فسلطة المقاومة تلمس ولا ترى، وأبطالها جنود مجهولون، وفقط أعمالهم هي التي تُرى وتلمس.

ولكن ماذا إذا لم تتحقّق ( المصالحة)، وهذا مصطلح مائع وغير محددة ويبدو كدعوات المصالحات العربيّة، وهي مصالحات مداهنة ، وبوس لحى، وطبطبة، ولا تؤسس لعلاقات واضحة جادة وصادقة وتتميّز بالثبات؟!
ألا يُفترض أن يبادر بالتحرّك الصادقون والشرفاء والمخلصون، من أبناء شعبنا، ليحددوا المطلوب، ويشرعوا في الفعل الجدّي متجاوزين حالة الشلل، رغم صعوبة الأمر، وربّما بسبب صعوبة الأمر، ففي أوقات الشدّة، وتكاثف الظلام، وتسيّد اليأس، وُجد دائما من يرفعون أصواتهم مشيرين إلى سُبل الخلاص...

أثناء حرب الإبادة التي شُنّت على أهلنا في قطاع غزّة ارتفعت أصوات شريفة ذات مصداقيّة أعلنت بأن ما بعد غزّة لن يكون كما قبله...
ما بعد غزّة! يبدو كأننا نعود إلى ما قبل، فمفردات (حوار) التنابذ هي نفسها، والمتحاورون هم أنفسهم، والمطالب لم تتغيّر، والكمائن، والحُفر، واللف والدوران، والتشاطر، وانعدام المبدئيّة.. ما هذا ؟ أبهذا يمكن أن تتحقّق الوحدة الوطنيّة؟ أين قضية الوطن، وأين الوحدة لإنقاذه، وأين دور الوطنيين ..في كُل هذا ؟!
هذه الأسئلة تهمنا نحن، لا هُم، فلنبادر، كُل بقدر طاقته، لتقديم إجابات طال انتظارها...