لماذا الحملة الشعبية حول مبدأ الإنتخاب المباشر../ عوض عبد الفتاح

يتأكد كل يوم أن الحديث عن مواجهة التحديات والمخاطر الهائلة التي تواجه عرب الداخل، لم يعد جديًا بدون إعادة بناء وتنظيم الجهاز القيادي القطري – المتمثل حاليًا في لجنة المتابعة. وبالتالي لا يجوز للقوى المعنية بالتغيير الجذري أن تبقى متفهمة للتيار التقليدي الرافض مبدئيًا لمبدا الإنتخاب المباشر.

ليس المطروح رغبة تيار أو تيارات للسيطرة على مقاليد التأثير في هذه الهيئة التمثيلية القطرية، التي يتآكل دورها ومكانتها باستمرار ويزداد عجزها. بل المطروح هو نقل قضية عرب الداخل، من مرحلة استنفذت ذاتها إلى مرحلة جديدة متقدمة تهزّ الرأي العام الإسرائيلي وصناع القرار في الدولة اليهودية، وتشدّ أنظار المؤسسات الدولية إلى جوهر قضية عرب الداخل.

فالقضية ليست مسألة تمييز بين مواطنين، بل هي قضية شعب، أو جزء من شعب يتعرض كيانه للتدمير الإجتماعي والمادي والثقافي – أو إلى مخطط يهدف إلى سدّ الأفق أمامه حتى لا يتبلور إلى كيان قومي منظم يعبر عنه فوقيًا بوجود مؤسسات منتخبة تشكل مرجعية سياسية وأخلاقية وقيادة تقود نضاله وصراعه مع المؤسسة الإسرائيلية، وتخوض عملية بناء داخلية – داخل المجتمع العربي الفلسطيني.

لماذا قرر التجمع الآن إعادة طرح الموضوع واختار أن يكون ميدان الحوار والنقاش خارج إطار المتابعة والتوجه مباشرة إلى الناس على اختلاف شرائحهم.. وفق خطة استراتيجية طويلة المدى. وأن لا يبقى النقاش داخل الإطار القيادي أو محصورًا بين النخب؟؟

أولاً؛ لأن الإستطلاعات تؤكد أن غالبية المواطنين العرب تؤيد أن تكون اللجنة منتخبة مباشرة، وأن يكونوا مشاركين فاعلين في هذه العملية. صحيح أن جزء كبير منهم غير ملمين بأبعاد هذه الخطوة وصعوبة تنفيذها، وربما لا يعرفون مدى رفض الدولة العبرية لهذه الخطوة. ولذلك هناك حاجة لحملة توعوية وإعلامية تصل الى كل أبناء شعبنا، بغرض تهيئتهم وتحشيدهم في هذه المعركة السياسية والبنائية. وتعريفهم بتجارب أقليات قومية في دول أوروبية تتبنى الديمقراطية ومبدأ الحقوق الجماعية والمساواة الكاملة بين مواطنيها وقومياتها.. وإطلاعهم على الفوائد التي تجنيها هذه القوميات بسبب الإعتراف بهم كجماعة وبحقهم في انتخاب مؤسساتهم وبرلمانهم في إطار الدولة المركزية. وأيضًا تعريفهم بأن المطالبة بحكم ذاتي هو حق ديمقراطي مسنود في وثائق ودساتير المؤسسات الدولية، وأن لا يخضعوا لحملة التخويف التي يُشيعها البعض متأثرًا بتحريض الأوساط الأمنية الإسرائيلية.

ثانيًا؛ لأن التيار السياسي التقليدي الذي وضع الفيتو حتى الآن على التوجه المذكور، والذي خضع له الجميع بسبب خضوع عملية اتخاذ القرارات داخل لجنة المتابعة لمبدأ الإجماع، أمعن في الإبتعاد عن التوجه القومي وعن الحركة الوطنية العربية في الداخل، وعبر التوجه أكثر نحو العمل العربي- اليهودي المشترك بالمعنى المبتذل وليس بالمعنى الذي يقوم على الندية واحترام الذات الجماعية. ويجري ذلك تحت شعار بناء يسار اسرائيلي جديد. وهو في الحقيقة وبعيدًا عن التجريح، هو يسار أقرب إلى اليسار المتسم بالروح الصهيونية التي سادت عشية إقامة إسرائيل وفي العقدين اللاحقين لقيامها.

بكلمات أخرى، فإن المحاولات المتواضعة الصادرة عن بعض رموز هذا التيار (وإن كانت تطغى عليها الإنتهازية بغرض كسب التأييد العربي ومواجهة التوجه القومي للتجمع ولعموم الجماهير العربية) المتمثلة بإضافة لون قومي على التصريحات والمواقف، عادت لتختفي وتُطمس تحت أقدام التوجهات الجديدة المنتشية بما يسمى إحداث اختراق في الشارع اليهودي. هذا التطور السلبي جاء ليزيد العقبات ويقلل من المراهنات على إمكانية حدوث تحول لدى هذا التيار باتجاه البعد القومي، ليس بالمفهوم الأيدلوجي، بل بالمفهوم الثقافي والسياسي.

من هنا تكمن أهمية أن تجتمع القوى المعنية بمستقبل آخر للعرب في الداخل، وتخوض حملتها السياسية والثقافية لزج المواطنين العرب في عملية البناء والنضال. إن الحملة، إذا ما خططت بشكل جدي، ستكون بمثابة مرحلة لشحذ الوعي السياسي لهذا الجزء من شعبنا برؤى عصرية ومتقدمة ومرحلة تجديد الروح النضالية والكفاحية ضد مشاريع ومخططات المؤسسة الإسرائيلية.

ثالثًا؛ إزدياد الإحباط واللامبالاة من جانب المواطنين العرب تجاه انتخابات الكنيست. وهنا يجب التأكيد دومًا على أن الإحباط في أساسه هو جراء السياسات الإسرائيلية العنصرية والمعادية ضدهم، والتي تؤدي إلى تعميق حالة التهميش لدور الكتل العربية في الكنيست. ولكن بالمقابل، لا شك إن هناك أيضًا توقعات للمواطنين العرب من الأحزاب العربية لاجتراح معادلات جديدة تساهم أكثر في التواصل مع همومهم وقضاياهم. ومن أجل درء سوء الفهم، فإن المشاركة في انتخابات لجنة المتابعة ليس مشروطًا بمقاطعة انتخابات الكنيست.. وإن كانت مسألة المقاطعة على اختلاف دوافعها تحتاج إلى وقفة جدية والتفكير مجددًا بشأنها.

ليس هذا التفكير معزولاً عن السياق العام للصراع مع الصهيونية وعن القضية الفلسطينية بمركباتها المختلفة. فالتفكير في إعادة بناء لجنة المتابعة أو بناء مرجعية لعرب الداخل هو في سياق هذا الصراع ببعده الإستراتيجي، المتمثل بالعمل من أجل الوصول إلى حل ديمقراطي شامل للمسألة الفلسطينية والمسألة اليهودية في فلسطين.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص