جبل المكبر والاستهداف الإسرائيلي المتواصل والمستمر../ راسم عبيدات*

.... بات من الواضح أن حكومة الاحتلال وضعت قرية جبل المكبر في دائرة الاستهداف المباشر والمستمر كنموذج ومثال لاستهداف مدينة القدس. وهذا الاستهداف مرده بالأساس كون بلدة جبل المكبر شكلت وما زالت تشكل معقلاً هاماً من معاقل الحركة الوطنية الفلسطينية، ولم تبخل في سبيل الوطن والحرية عن تقديم مئات الأسرى والذين مازال عدد لا بأس منهم في سجون الاحتلال. بل والعديد منهم دخل قائمة عمداء الأسرى الذين قضوا عشرين عاماً فما فوق أمثال الرفيق بلال أبو حسين والأخ إبراهيم مشعل.

وهناك منهم من يقترب من عامه ألاعتقالي الخامس عشر أمثال الرفاق جمال أبو جمل، والذي توفي والده قبل أقل من عشرة أيام دون أن يتمكن من إلقاء نظرة الوداع عليه وتوفيق عويسات وغيرهم. وهناك منهم يقضي أحكاماً بالسجن المؤبد أمثال الأخوان فهمي مشاهرة، والذي ألقت طفلته في المؤتمر الصحفي الذي عقد في قاعة فندق الإمبسادور في القدس يوم الخميس 2/4/2009 لنصرة قضية أسرى القدس والداخل والجولان، قصيدة شعرية مهداة لوالدها في السجن والمحكوم عشرين مؤبد، أبكت الكثير من الحضور لما تضمنته من مشاعر الحب والتقدير لوالدها والشوق لحنانه وصدره الدافئ، وأخيه رمضان مشاهرة وأمين وبهجت السلحوت، وغيرهم عشرات الأسرى من مختلف ألوان الطيف السياسي الوطني والإسلامي.

والمكبر بكل ألوان طيفه السياسي والعشائري لم يبخل في دفع ضريبة التحرير دماء وتضحيات فمن شهيد الانتفاضة الأولى- انتفاضة الحجر- جمال مطر فشهيد مجزرة الأقصى عبد وراد زعاترة، فشهداء معركة الأمعاء الخاوية حسين ومصطفى عبيدات، فـإلى شهداء الحواجز العسكرية ونقاط العبور نضال السلحوت ومحمود هلسه وممدوح شقيرات وأنس عويسات، فالشهيد علاء أبو دهيم والعمل النوعي والمتميز في النضال والاستهداف، والتي اعتبرت عمليته علامة فارقة في تاريخ المكبر بل وفي تاريخ النضال الوطني الفلسطيني.

ومن بعد هذه العملية أصبح كل شيء في المكبر مستهدفا؛ الحجر والبشر والشجر، حيث كثفت سلطات الاحتلال من استهدافها وحربها الشاملة على المكبر، وقامت أجهزة الاحتلال بمختلف أذرعها ومسمياتها بشن حربها الشاملة على أهل المكبر، حيث زادت أجهزة البلدية ووزارة الداخلية من فرض غراماتها ومخالفاتها على أبنية وبيوت جبل المكبر وحتى المقامة منها قبل عشرات السنين تحت حجج وذرائع البناء غير المرخص، ناهيك عن تسريع وتكثيف عمليات هدم المنازل بحجة البناء غير المرخص أيضاً.

وترافق ذلك مع حملة ضريبية شاملة طالت المحال التجارية والمركبات وحتى المشاة في الطرق، ناهيك عن حملات الدهم والمصادرات النهارية والليلية والتي قام بها موظفو ورجال ضريبة الدخل والتأمين الوطني وضريبة التلفزيون وغيرها.

أضف إلى ذلك حملة التحريض والتهديد المستمر بالانتقام من أهل المكبر عبر إذلالهم والتنكيل بهم على الحواجز العسكرية وطرد وفصل المئات منهم من أعمالهم على خلفية عنصرية وقومية، وفقط لأنهم من أهل المكبر. وأيضاً ما أعقب عملية الشهيد علاء من محاولة للمستوطنين تحت حماية وحراسة الشرطة والجيش اقتحام بلدة المكبر من أجل القيام بأعمال عربدة وزعرنة ومحاولة الوصول لبيت الشهيد أبو دهيم من أجل هدمه. والتهديدات الرسمية من وزير الخارجية الإسرائيلي الحالي المتطرف"ليبرمان" وغيره من القيادات السياسية والعسكرية والدينية،بقتل 100 فلسطيني من أهل المكبر مقابل كل مستوطن قتل في عملية علاء أبو دهيم، وهناك من دعا لطرد كل عائلة أبو دهيم إلى غزة، وآخرون دعوا إلى شنق عائلة أبو دهيم، ومنهم من دعا إلى حرمان أهل المكبر من كافة الحقوق الاجتماعية والصحية وإقامة جدار وبوابة حول القرية، أو طرد كافة سكان المكبر إلى خارج مدينة القدس إلى مناطق السلطة الفلسطينية.

وقادت حملة التحريض العنصري تلك إلى إطلاق النار على الشهيد قاسم المغربي في شهر رمضان الفائت بدم بارد بعد أن فقد السيطرة على فرامل سيارته في منطقة باب الخليل، بحجة محاولة دهس مجموعة من جنود الاحتلال، وحتى وهو جريح وينزف وفاقد الوعي قام جنود الاحتلال بإطلاق النار عليه من أجل قتله.

واستمرت حملة التحريض بشكل رسمي وغير رسمي على أهل المكبر، حيث تمت مصادرة مئات الدونمات من أراضيهم لصالح المشاريع الاستيطانية وبالذات مستوطنة "تسيون زهاف" والتي أقيمت في قلب بلدة جبل المكبر وكذلك لصالح الشوارع الالتفافية والاستيطانية، واستمر الحاخامات والقادة الإسرائيليين من سياسيين وعسكريين وفي إطار المزيدات الانتخابية والتطرف والحقد والعنصرية في تحريضهم المتواصل على أهل المكبر عامة، وعائلة الشهيد أبو دهيم خاصة، لكي يثمر ذلك عن قيام سلطات الاحتلال قبل شهرين بإغلاق بيت الشهيد أبو دهيم بالأسمنت المسلح، وأصبح أبناء المكبر مطاردين في كل شيء بدءً من لقمة العيش وانتهاء بأبسط الخدمات من تعبيد الطرق ومد شبكات المجاري ومنح تراخيص للأبنية وغيرها.

وفي ظل حالة الانفلات العنصري الواسع وتسهيل عمليات إطلاق النار على السكان المقدسيين، والتي وصلت حد منح الجوائز والنياشين، كما حدث في عملية إطلاق النار على الشهيد مرعي الردايدة من منطقة بيت حنينا قبل شهر، وكذلك الشهيد حسام دويات من منطقة صور باهر والذي أقدمت سلطات الاحتلال على هدم بيت عائلته أول أمس، وقد ترافق أنه أثناء عملية الهدم توجه الشهيد إياد عويسات من جبل المكبر إلى منطقة صور باهر من أجل أخذ درس سياقه على دراجة ماتور، وقد قاده حثه العاثر إلى منطقة الدوار حيث قوات الاحتلال تفرض وتحاصر المنطقة من أجل عملية هدم بيت الشهيد دويات، وهناك أسرع للوصول إلى الدرس في الموعد المحدد ولتقوم قوات الاحتلال وبدون سابق إنذار بإطلاق النار عليه وتقتله بدم بارد..

هذه القوات لديها دائماً التهمة جاهزة؛ وهي محاولة دهس مجموعة من الجنود أو المواطنين اليهود. وعلاوة على القتل تقوم سلطات الاحتلال باعتقال أبناء عائلة الشهيد والتنكيل بهم وهدم بيوتهم، ودون إجراء عمليات تحقيق جدية، ونحن إذ نطالب من كافة الهيئات والمؤسسات الحقوقية والاتساقية المحلية والدولية القيام بعمليات تحقيق محايدة، لكشف الحقائق وهذا الاستهداف لأهل المكبر خاصة وسكان القدس عامة، وبالذات لما يسمى بعمليات الجرافات ومحاولات دهس الإسرائيليين، عمليات الشهداء حسام دويات وغسان أبو طير وقاسم المغربي ومرعي الردايدة واياد عويسات.

هذه العمليات التي ترى أنها في أغلبها لم يكن جميعها حوادث سير، وحتى لو صح أنها عمليات فدائية، فالسبب والجذر هو الاحتلال الذي يقوم بقتل المقدسيين خاصة والفلسطينيين عامة في اليوم ألف مرة من خلال سلسلة طويلة من الممارسات والإجراءات الاذلالية والقمعية. وحتى عمليات القتل المتعمدة بحق المقدسيين كما في حادثة الشهيد الكركي، فالمجرم لم يسجن، بل أطلق سراحه لأنه مريض نفسي، وهذا التعليل والتفسير الدارج لأي عمليات قتل متعمدة ضد السكان العرب المقدسيين.