تحية إلى الرجل../ د. مخلص الصيادي*

قبل أيام أعادت المحكمة المختصة في بغداد النظر في الحكم الصادر على الصحفي منتظر الزيدي وخفضت الحكم من ثلاث سنوات سجن إلى سنة واحدة، وهي في عملها هذا تعطي إشارة ولو بسيطة إلى حقيقة أن ما قام به هذا العراقي الأصيل جاء في الإطار المشروع بل والمطلوب.

وكان أجدر بالمحكمة أن تلغي تماما الحكم الصادر بحقه، ولو كانت المحكمة معبرة عن ضمير القضاء الحر، ولو أنها ولدت من رحم دولة حرة لكان قرارها قد تجاوز ذلك إلى التقدير والاعتزاز لما قام به الزيدي، باعتباره استطاع أن يختزل موقف الأمة ومشاعرها من ذلك الرئيس الأميركي ويقدم له بحذائه الوداع الذي هو أهل له.

بل إن قيمة إضافية نالها إذ أنه تجاوز بعمله حدود أمته ليختزل ويكثف موقف الضمير الإنساني كله من رئيس وحقبة ونظام قام سلوكه، وبنى مواقفه على قاعدة الكذب والخديعة والعدوان، وحصدت منه الإنسانية أينما تجلى وجودها وفعلها ـ حتى داخل الولايات المتحدة ـ الأمرين، ودفعت من دمها وحريتها وحقوقها الكثير.

ويوم أن فعل الزيدي ذلك وحين كان يتلقى الضربات من مرتزقة النظام والاحتلال الذين عجزوا عن حماية رأس الأفعى وذنبها. لم نستطع أن نقدم لهذا الرجل إلا التحية معلنين انحيازنا إلى موقفه، وإيماننا بأنه فيما ما قام به عبر عنا جميعا، بل قام بما كان كل منا يتمنى أن يقوم به، ومعترفين له بفضل الإبداع بالوسيلة والسبق في الانجاز.

واليوم، والعالم كله يتابع كيف يحاول المحتل أن يجد طريقة يحمل بها عصاه من عراق الرشيد ويرحل.. واليوم ونحن نتملك إيمانا أكثر رسوخا وعمقا بأن عملاء الاحتلال سيرحلون مع جنود الاحتلال، وأن من جاء مع دبابات الغزاة لا يستطيع ولا يملك قدرة الصبر في المكان بعد أن يغادر المحتل..

اليوم نجدد التحية لمنتظر الزيدي ونقول له إنك في سجنك ـ الذي لن يطول ـ أكثر عزة وحرية، وإنك في فعلك ومكانك وفيما قدمته للنضال الوطني بوأت نفسك مكانة العراقي الحر الأصيل الذي لا تعجزه الحيلة إذا دعاه الوطن والواجب، ولا تقعده الظروف عن إثبات الجدارة في الانتماء لهذا الوطن وهذه الأمة.

هل ساومك لصوص بغداد حتى يجهضوا فعلك بالاعتذار عما قمت به، لا شك فعلوا ذلك، فقد كانت صفعتك لهم صاعقة، وكان وقع حذائك عليهم مدويا، ولعلهم كانوا يتمنون أن يكون بدل الحذاء رصاصة، فقد كان الحذاء أقوى من الرصاصة وأبلغ.

هل فعلوا ذلك بالعنف والإرهاب، وبالإغراء والإغواء، لا شك فعلوا ذلك، فهذا شأن هؤلاء وأمثالهم، وكانوا يتمنون أن ينجحوا في مسعاهم الشيطاني، لكن صمودك أضاف لعملك العظيم المبدع قيمة جديدة، وكشف عن صلابة رجل يعلم يقينا أن القيمة الإنسانية للرجال تنبع من مواقفهم ومبادئهم، وأن الرجال حين يتخلون عن ذلك فإنهم يتخلون عن هذه الصفة، وكشفت للجميع أن قناعاتك تستطيع أن تتحمل وتقاوم وتواجه، وأنها تستطيع أن تنتصر على كل ما عرفه واخترعه الغزاة والخونة من أساليب لكسر إرادة المقاومة، مقاومة الرجال، وكسر روح الاعتزاز والشموخ التي يتشبع بها المقاومون.

أيها الرجل الشامخ في سجنك.
أيها الصامد في سجنك تتحمل أمواج القهر والإغراء.
أيها المقاوم الذي سطر كتابا في التاريخ الأمريكي لن يمحى أبدا، وأبدع شكلا من أشكال الفعل المقاوم سيبقى مرتبطا باسمه على مدار الزمن.
أيها الفارس الذي خطف بعمله أبصار الأمة كلها فصار مثلا لها جميعا رجالا ونساء، شيبا وشبانا.

لست في سجنك وحدك، قلوب الذين خطفت أبصارهم فصرت لهم المثل كلها معك، وكلها تتطلع إلى لقائك، وكلها تتمنى أن يوافق يوم لقائك وحريتك يوم تحرير العراق فهذا يوم الحرية الحقيقي لك وللأمة والوطن الذي جسدت إرادته في تلك اللحظة الخالدة.

لك مني التقدير والاعتزاز، والمحبة والإكبار، بقدر ما أبدعت، وسطرت، وصابرت،

ولعراقنا الأبي المنتصر قريبا بإذن الله، لعراقنا الذي تحتاج الأمة وترتقب، ولمقاومته، ومقاتليه، وشهدائه، وقد اقتربت ساعة القطاف كل الانتماء والفخر والعزة.