بقاء العرب في الدولة العبرية../ المحامي قيس ناصر*

يعاني الفلسطينيون ممن بقوا داخل الخط الأخضر بعد عام 1948 سياسة حكومية جائرة لا تراعي مكانتهم كأقلية قومية حسب القانون الإنساني والدولي. هذه السياسة كانت وليدا طبيعيا لنظام دولة إسرائيل السياسي الذي يرى إسرائيل أولا وقبل كل شيء دولة يهودية. هذه الهوية القومية لدولة إسرائيل شرّعت لحكومتها منذ قيامها أن تستعمل كل الوسائل للحفاظ على دولة إسرائيل كدولة ذات أكثرية يهودية ساحقة، وهو الهدف الذي لا يتحقق بطبيعة الحال إلا بتمييز الأقلية الفلسطينية التي بقيت داخل الدولة العبرية في شتى مجالات الحياة. ولا تسعف "ديمقراطية" إسرائيل العرب داخلها، لأن "ديمقراطية" إسرائيل ليست ديمقراطية خالصة كمفهومها في الفقه القانوني والسياسي بل ديمقراطية إثنية تعطي الأولوية لليهود في كل شيء.

وفي نظام سياسي كهذا يعاني ديمقراطية ناقصة ومبتورة، سرعان ما تنهزم لصالح يهودية دولة إسرائيل كل مبادئ الديمقراطية الداعية إلى المساواة واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات. ولأن أهم المقاييس لامتحان يهودية إسرائيل هي بالأساس ديموغرافية وجغرافية، فان أبرز مظاهر التمييز العنصري الذي تعانيه الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل هو إقصاؤها عن الأرض والمسكن على نحو يكاد لا يكون له نظير في القانون الدولي. ولهذا التمييز وجوه كثيرة أوجز منها الأمور التالية:

أولا، استطاعت دولة إسرائيل عبر وسائل كثيرة غير عادلة، كالاستيلاء على أراضي من رُحّلوا عام 1948 ومصادرة أكثر من نصف الأراضي التي كان يملكها الفلسطينيون داخل الخط الأخضر قبل عام 1948، أن تمتلك اليوم نحو 93% من الأراضي التي داخل الخط الأخضر في حين لم يمتلك اليهود قبل عام 1948 أكثر من 7% من هذه الأراضي. بالمقابل، فـَقدَ الفلسطينيون الذين بقوا داخل الخط الأخضر عام 1948 أكثر الأراضي التي كانت بحوزتهم قبل عام 1948، ليمتلكوا اليوم أقل من 3.5% من الأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر مع أنهم يشكلون نحو 22% من سكان دولة إسرائيل.

ثانيا، دأبت حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ عام 1948 على منع اتحاد البلدات العربية جغرافيا حتى تفشل أي مطالبة محتملة من قبل الفلسطينيين داخل الخط الأخضر بحكم ذاتي أو ما شابه ذلك. لهذا الغرض أقامت حكومة إسرائيل عبر العقود الماضية أكثر من تجمع سكاني يهودي في المناطق العربية يمنع الاتصال الجغرافي المباشر بين البلدات العربية. وبفضل هذه السياسة وهذا النهج الدائم التجدد، أقيمت مئات التجمعات السكنية اليهودية داخل المناطق العربية، في حين لم تسمح السلطات الإسرائيلية منذ عام 1948 بإقامة ولو بلدة عربية جديدة واحدة داخل الخط الأخضر كما لم تعترف إلى اليوم بأكثر القرى الفلسطينية في النقب.

مؤخرا، حظيت مشاريع إسرائيل بتهويد المناطق العربية داخل الخط الأخضر بنقلة نوعية جادة وذلك عقب سن ما يسمى بقانون "خصخصة أراضي إسرائيل" قبل أشهر معدودة. ينظم هذا القانون بيع أكثر أراضي الفلسطينيين الذين رُحّلوا عام 1948 وأكثر الأراضي التي صودرت من الفلسطينيين بعد 1948 لغير العرب، ويشرع اتفاقية حديثة أبرمت بين دولة إسرائيل والوكالة اليهودية (التي تملك نحو 15% من الأراضي داخل الخط الأخضر التي خصصت لليهود فقط) تعطي الوكالة اليهودية نحو 70 ألف دونم في الجليل وأطراف الخط الأخضر لبناء تجمعات سكنية لا تُسوّق إلا لليهود.

ثالثا، لم تقتصر سياسة إسرائيل على منع اتصال البلدات العربية بعضها ببعض فحسب بل أدت أيضا إلى جمود اغلب البلدات العربية وبقائها على ما كانت عليه منذ سنين دون تطور وانتعاش. هذا يعود بالأساس إلى أن المخططات الهيكلية القطرية واللوائية التي تحدد شروط البناء والتطور في إسرائيل عامة، والتي أقرتها حكومة إسرائيل ومؤسساتها التنظيمية، لا تسمح بتطوير أغلب الأراضي التي تحتاجها البلدات العربية للبناء والتطور. كما أنه على صعيد التخطيط المحلي للبلدات العربية فإن مؤسسات التنظيم والبناء الإسرائيلية لم تطرح إلى اليوم مخططات هيكلية محلية تمكن تطوير البلدات العربية وتؤمن لأبنائها وحدات سكنية كافية ومناطق تجارية وصناعية مطلوبة.

حتى عام 1995 عاشت أكثر البلدات العربية في ظل مخططات تنظيمية قديمة لم تواكب اتساعها ولا ازديادها السكاني، مما اضطر الآلاف من الفلسطينيين إلى البناء دون رخصة، ليلاحقوا بعدها بأقسى وسائل العقاب ابتداء بالهدم ودفع الغرامات الباهظة وانتهاء بالسجن الفعلي.

وقد كانت أزمة السكن والبناء في البلدات العربية داخل الخط الأخضر أحد دوافع هبة أكتوبر عام 2000 التي راح ضحيتها 13 شابا فلسطينيا قتلوا خلال المواجهة مع قوات الأمن الإسرائيلية. بعد هذه الهبة قررت حكومة إسرائيل اقتراح مخططات هيكلية ادعت أنها ستحل أزمة السكن الخانقة في البلدات العربية. لكن الواقع كان غير ذلك تماما، فالمخططات الحديثة التي اقترحت للبلدات العربية لا تحل أزمة السكن والبناء فيها بل تزيدها وتزيد عليها فصلا جديدا من هدم البيوت والملاحقات القضائية والمادية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر الذين لا ذنب لهم سوى حاجتهم الماسة إلى بناء مسكن لعائلاتهم.

خلاصة القول: إن الصدام بين دولة إسرائيل والأقلية الفلسطينية داخلها على الأرض والمسكن لم ينقطع يومًا. حكومة إسرائيل تحاول بكل ما أوتيت من سلطة وجبروت أن تحافظ على دولة إسرائيل يهوديةً، والأقلية الفلسطينية تحاول بكل ما أوتيت من صمود أن تبقى وتتطور على الرقعة الصغيرة التي بقيت لها داخل الخط الأخضر. لكن هذا الصراع يزداد قسوة على الأقلية الفلسطينية عامًا بعد عام مع تغير الميزان الديموغرافي في إسرائيل لصالح الأقلية العربية. لهذا اتخذ كفاح الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل في العقد الأخير شكلا جديدا من كفاح نحو المساواة والعيش بكرامة لكفاح نحو بقاء البقية الباقية من العرب داخل الدولة العبرية.