عام على العدوان: "المهمة" لم تُنجز ولن تُنجز../ عوض عبد الفتاح

لو تغاضينا ولو للحظة عن عمق الأزمة الداخلية للحركة الوطنية الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من تدمير ذاتي، سياسيًا وأخلاقيًا، كيف كنا سنصف مرور عام على عدوان دولة احتلال على أكثر من مليون ونصف فلسطيني يقطنون على 360 كيلومترا مربعا في ظروف بائسة وخطيرة؟ ما هو التقييم الإسرائيلي لنتائج هذا العدوان في الذكرى الأولى، إذا أردنا أن نتجاهل نهج التشفي عند سلطة رام الله والطبقة السياسية الضيقة التي على ما يبدو غير جاهزة ولا راغبة في العودة إلى طريق حركات التحرر الطبيعي ضد الاستعمار؟ وأكثر من ذلك، وحتى لا نظهر منحازين، كيف سنقيم ذلك، لو تغاضينا عن أخطاء حكومة حماس وممارستها كحركة مقاومة انتقلت إلى السلطة بصورة مفاجئة وبدون جاهزية مسبقة، وراحت تمارس ممارسات غير ديمقراطية وغير مبررة بحق المعارضين أو أعضاء الفصائل الأخرى؟

صحيح أن قيادة حركة وطنية فلسطينية، في ظرف طبيعي لا تستطيع أن تجري تقييمًا لأوضاعها الراهنة وفي مقدمتها تداعيات عدوان العام الماضي بمعزل عن مظاهر التآكل الداخلي الخطيرة.

كان هدف دولة الأبارتهايد الكولونياية من جراء هذا العدوان المعلن أمام حلفائها الغربيين، هو الدفاع عن أمنها ضد الصواريخ، وتوجيه ضربة لحكومة حماس بحيث لا تعود، لا هي ولا غيرها، تتجرأ على التفكير بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي. خلال إثنين وعشرين يومًا، أقدمت إسرائيل على دك أهل هذه المنطقة الصغيرة المحاصرة، بكافة أنواع أسلحة الفتك. لم يكن لدى حماس القوة المنظمة والنوعية التي كانت لدى حزب الله ولا العمق الجغرافي والسياسي ذاته؛ ولم تتمكن الحركة من إيقاع خسائر جدية في صفوف المعتدي الذي تصرف كالمعتاد بنذالة بالغة.. ضرب للأماكن السكنية والمدنية وقتل الأطفال والنساء الذين كانوا جلّ الضحايا. لم تستسلم قيادة المقاومة ولم ترفع الراية البيضاء ولم يكن هذا مفاجئًا للإسرائيليين مع أنهم أملوا أن يحدث ذلك. فإطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية لم يتوقف خلال فترة الحرب. هناك هدنة غير مكتوبة ولكن لا المقاومة تعتقد أن ذلك نهاية المطاف ولا دولة الاحتلال قادرة على التسليم بعدم إنجاز المهمة.

توقف العدوان بعد تدخلات خارجية، وشعور القيادة الإسرائيلية بأنه لم يعد هناك ما يفعلونه أو يحققونه من أهداف ضمن الخطة الموضوعة.

تحقيق تدمير هائل في القطاع، وعدم سقوط قتلى في الجانب الإسرائيلي، منحا قيادة الدولة العبرية نوعًا من الراحة والاكتفاء الذاتي بأنهم أفرغوا غضبهم وحقدهم وأسكتوا أصوات الاحتجاج التي كانت تتزايد جراء عجز الجيش الإسرائيلي وقف إطلاق الصواريخ.

إنتظروا، وبالتأكيد معهم أطراف عربية وفلسطيينة رسمية، ثورة على حكومة حماس وتحميلها المسؤولية عن العدوان ونتائجه. كانت تلك قراءة بائسة لمواقف شعب تحت الاحتلال تحاصره إسرائيل وليس حكومة حماس مهما كان من نقد وملاحظات عليها. بل حاول البعض من الإسرائيليين والعرب والفلسطينيين، نسب أسباب غياب ثورة شعبية على حماس إلى القمع والتخويف. القمع موجود والتخويف موجود، وهذا جزء من طبيعة أي سلطة في العالم تشعر أنها مهددة، ولكن تُصوّر الأمور وكأن هذه الحكومة جاءت من فراغ وليس بدعم من جزء كبير من هذا الشعب الواقع تحت الاحتلال، بل أكثريته.

إن الإنسان العربي، وكل إنسان مناصر لحق شعب في التحرر من الاحتلال يرى في حماس، حتى لو اختلف معها أيدلوجيًا، وعلى بعض تكتيكاتها وممارساتها، حركة مقاومة ويرى في سلطة رام الله خارج خانة ثقافة وفعل المقاومة، بل يراها البعض حليفة للاحتلال. ولا يستطيع أن يقبل تفسيرات السياسيين المتمسكين بزمام السلطة لهذه المواقف الغريبة. كيف يمكن لجهاز السي آي إيه المعتمد تاريخيًا وراهنًا لضرب حركات الشعوب، وللجنرال الأمريكي دايتون بأن يشرفوا على تدريب الفلسطينيين على كيفية ملاحقة المقاومين.

لماذا يدور الآن الحديث في إسرائيل عما يسمونه بضرورة وقف تسلح حماس، بما معناه، أنهم يخططون لاستكمال المهمة التي لم تنتهِ. لقد أرادوا العام الماضي، التعويض عن فشلهم الذريع في عدوانهم ضد حزب الله، عبر ضرب "عدو" أقل قوة بحيث يستعيدوا قوة الردع التي تعرضت لضربات شديدة. الحكومة الإسرائيلية السابقة كان لها هدف سياسي من وراء عدوانها، أرادت أن تقوي سلطة رام الله، وتفرض تسوية سياسية مهينة. أما الحكومة الحالية، فلا يهمها السلام ولا يهمها التطبيع مع الدول العربية. الأمن أهم من السلام، والأرض أهم من التطبيع، وإيهود باراك مبعوث الطبقة العسكرية في إسرائيل وجزء في الإئتلاف، فإن المهمتين يجب أن تنجزا: القضاء على قوة حماس وعلى قوة حزب الله، ربما كمقدمة لتصفية نفوذ وتأثير إيران قبل البت في نوع الخطوة أو الخطوات ضدها.

إسرائيل تتحدث يوميًا عن مواصلة تسلح حماس ووصول أسلحة نوعية مقاومة للدبابات وللطائرات كتلك التي بحوزة حزب الله، والتي استعملت بنجاعة ضد الدبابات إسرائيلية المعتدية أثناء عدوان 2006. ومن ناحية أخرى يبتكر الفلسطينيون سبلاً متنوعة لتخفيف آثار الحصار الخانق؛ ليحافظوا على حياتهم وعلى صمودهم، كحفر الأنفاق ذات التكلفة العالية. ويأتي القرار المصري ببناء الجدار ليعكس فشل العدوان، وليكشف مرة أخرى فضائح التورط العربي الرسمي في الحرب لإخضاع المقاومة والشعب الفلسطيني. فهل يعقل أن تكون نجدة إسرائيل على يد نظام عربي، بدل فك الحصار.

على أية حال؛ إن تقرير غولدستون وتفاعلاته الدولية، هو من إفرازات هذا العدوان التي لم تتوقعها إسرائيل، والذي تحول الكشف عنه الآن إلى إضافة نوعية في الحملة الدولية لكسر الحصار. ومن شروط تنجيع هذه الحملة وديمومتها، هو إعادة إطلاق المقاومة الشعبية على أرض فلسطين من أجل إزالة الاحتلال وتحقيق العدالة. ولكن هل هناك الآن على الساحة من هو قادر على ذلك وجاهز لذلك؟