هل ستنفذ صفقة "شاليط"؟../ راسم عبيدات

في كل مرة تقترب فيها صفقة تبادل الأسرى من التنفيذ، تعمل الحكومة الإسرائيلية على تعطيلها وإفشالها وعدم تنفيذها، من خلال الرفض للشروط والمطالب لآسري الجندي الإسرائيلي "شاليط" تحت حجج وذرائع الثمن الباهظ، والرهان على الجوانب الإستخباراتية والعملاء من أجل الحصول على معلومات تمكن من تجاوز إسرائيل لدفع مثل هذا الثمن ،من خلال محاولة تحريره بالقوة أو حتى قتله، وليأتي الجواب من أجهزة المخابرات الإسرائيلية وبعد أربع سنوات من أسره، بأنها لا تعرف مكان احتجاز "شاليط" على عكس ما كانت تشيعه سابقاً عن معرفتها لمكان احتجازه.

ويبدو أن الخوف على أن يكون مصير "شاليط" بعد أربع سنوات من الأسر كمصير ملاح الجو الإسرائيلي رون آراد، وكذلك عدم القدرة بالضغط على الآسرين والحكومة المقالة في غزة من خلال الحصار الذي بدأ يتصدع بعد رحلة أسطول الحرية وما أعقبها من تداعيات لتليين مطالبهم وشروطهم فيما يخص الأسرى المطلوب إطلاق سراحهم في الصفقة، وأيضاً تصاعد حالة الضغط الشعبي والجماهيري على الحكومة الإسرائيلية من أجل سراح الجندي المأسور، هذه التطورات والمتغيرات دفعت بالحكومة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في مواقفها وشروطها ولاءاتها، وكما يبدو أنها تريد النزول عن الشجرة، ولكن بما لا يظهرها بالعجز والاستجابة والتسليم بشروط ومطالب آسري "شاليط،"، فهي تبدي استعداداً لتحرير أسرى قتلوا إسرائيليين ولكن ليس كل المطلوب إطلاق سراحهم بالصفقة، وكذلك فهي تصر على إبعاد ما لا يقل عن 100 أسير عن أماكن سكنهم، وكذلك عدم تحرير أسرى من الداخل الفلسطيني وربما من القدس.

ومن خلال التجارب وصفقات التبادل السابقة، نعرف جيداً أن حكومة الاحتلال تستمر في المراوغة والمناورة حتى الدقيقة بل اللحظة الأخيرة، ففي عملية تبادل الأسرى (عملية النورس)، التي قادتها الجبهة الشعبية – القيادة العامة أيار 1985، والتي تعد أكبر عملية نوعية للتبادل نفذتها المقاومة الفلسطينية في تاريخها، حيث تحرر بموجبها 1150 أسيرا فلسطينيا أغلبهم من أصحاب الأحكام المؤبدة، فحتى قبل التنفيذ بوقت قصير بقيت الحكومة الإسرائيلية تصر على عدم إطلاق سراح 36 أسيراً فلسطينياً مشمولين في الصفقة، وعندما رفضت الجبهة هذا الشرط الإسرائيلي، غيرت الحكومة الإسرائيلية وجهة نظرها وقلصت العدد إلى 18 أسيراً، وأنا متأكد لو تريثت الجبهة قليلاً لوافقت إسرائيل على تحرير الثمانية عشر أسيراً، وليس هذا فقط بل من ضمن شروط الصفقة إطلاق سراح الأسرى وعودتهم إلى أماكن سكنهم وعدم ملاحقة إسرائيل لهم على قضاياهم السابقة، وشمول الصفقة جغرافياً لأسرى من الداخل والقدس وبأعداد ليست قليلة.

واليوم الحديث يجري عن حراك جدي نحو إتمام صفقة التبادل، وعلى الآسرين من فصائل المقاومة للجندي الإسرائيلي استمرار التمسك بشروطهم ومواقفهم، فيما يخص ليس أعداد الأسرى بل نوعية الأسرى المطالب بهم، فعدا أن شعبنا دفع ثمناً باهظاً شهداء وجرحى ومعتقلين وعدوان وحصار وتجويع وتدمير ممتلكات مقابل الاستمرار في أسر "شاليط"، فإن هناك عددا كبيرا من الأسرى ليس أمامهم أية فرصة للتحرر من الأسر إلا عبر هذه البوابة وهذا الخيار وهذا النهج، وربما تكون فرصتهم الوحيدة للتحرر، فحكومة الاحتلال معروفة بعنجهيتها، واستخدامها هذا الملف كملف للضغط السياسي، وهي ليست على استعداد لإطلاق سراح أي أسير خارج تصنيفاتها واشتراطاتها وتقسيماتها، وحسن النوايا وصفقات الإفراج آحادية الجانب، لن تحرر لا عباس السيد ولا عبدالله البرغوثي ولا حسن سلامه ولا يحيى السنوار ولا إبراهيم حامد ولا احمد سعدات ولا مروان البرغوثي ولا آمنة منى ولا قاهرة السعدي ولا دعاء الجيوسي ولا غيرهم من مئات الأسرى والأسيرات الآخرين حتى الذين مضى على وجودهم في الأسر ثلاثين عام وما فوق، والأسير سمير قنطار لولا ما قام به حزب الله من أسر لجنود إسرائيليين ،لما تحرر من الأسر حتى إسرائيل هددته بالتصفية بعد التحرر.

ومن هنا فإنه على آسري "شاليط" عدم الاستعجال وعليهم التمسك بما طرحوه من مطالب وشروط، ليس فقط في العدد والنوعية، بل فيما يخص عملية الإبعاد للأسرى، فأي شرعنة في هذا الجانب تصبح سابقة في المرات القادمة تبني عليها إسرائيل شروطها ومطالبها، تماماً كما هو الحال في قضية نواب القدس ووزير شؤونها السابق، فإذا ما جرى تنفيذ قرار إبعادهم، سيفتح الباب على مصراعيه أمام إبعاد المئات من النخب والقيادات المقدسية.

إن عملية التبادل هذه يعلق عليها الكثيرون من أهالي الأسرى وأبناء شعبنا آمالاً كبيرة جداً، وخصوصاً من لهم أبناء قضوا في الأسر عشرين عاماً فما فوق، وأيضاً هناك منهم من يتخوفون بأن تجري عملية التبادل، ودون كسر للمعايير والشروط الإسرائيلية والتي كسرت في أكثر من عملية من حيث عدم شمولها لأسرى من الداخل والقدس، فتنفيذ هذه الصفقة بدونهم، سيترك تأثيرات وتداعيات جداً سلبية وخطيرة على صعيد وحدة الحركة الأسيرة عامة، وعلى صعيد أسرى القدس والداخل خاصة، ناهيك عن حالة الإحباط واليأس وعدم الثقة التي ستطال أسرهم واهاليهم.

أي تنفيذ لهذه الصفقة بدونهم سيشكل طعنة غادرة لنضالاتهم وتضحياتهم. وإذا كان "أوسلو" والقائمون عليه ارتكبوا خطيئة بحق هؤلاء الأسرى، فتنفيذ الصفقة بدونهم يشكل قمة الخطايا والجحود والتنكر لهؤلاء الأسرى، وخصوصاً أن الجميع يدرك أن إدارات السجون وحكومة الاحتلال يشنون هجمة شرسة وشاملة على الحركة الأسيرة الفلسطينية، هجمة يراد منها كسر إرادة هؤلاء المناضلين وتدمير روحهم المعنوية، والتعدي الصارخ على حقوقهم وما حققوه من منجزات ومكتسبات عمدت بالدماء والتضحيات والشهداء.

وعليه هؤلاء الأسرى الذين دفعوا ثمناً باهظاً وطنياً ونضالياً واجتماعياً وأسرياً، يجب علينا أن لا نتخلى عنهم لا كسلطة أو أحزاب وفصائل ومؤسسات مجتمعية وأهلية وجماهير، فهم ضحوا من أجل أن يحيا شعبنا بكرامة وعزة ووطن مستقل كباقي أبناء المعمورة، ومن غير المقبول بالمطلق أن نترك هذا الملف الهام جداً لحسن نوايا إسرائيل وصفقات إفراجها الشكلية أحادية الجانب، وشروطها وتصنيفاتها وتقسيماتها، وأنا واثق أنه علينا جميعاً أن نتجاوز لغة التشكي والندب والبكاء، وأن نوحد كل الجهود والطاقات في هذا الجانب، وحينها لن نعدم لا الطرق ولا الوسائل التي تمكن من تحرير أسرانا من سجون الاحتلال ومعتقلاته.