آفاق استئناف عملية التسوية / محمد خالد الأزعر

منذ سكوت المدافع على الجبهة اللبنانية، نسمع جعجعة عن جهود لإيقاظ عملية السلام في الشرق الأوسط من سباتها الممتد. ومع ذلك لانرى أي طحين. بدأت هذه الجعجعة فور صدور قرار مجلس الأمن 1701 بحديث لوزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس حول ضرورة استئناف التفاوض على المسار السوري. وقد ترددت هذه الإشارة لغير مرة في مدونات صحافيين مقربين من بعض كبار المسؤوليين الإسرائيليين.

ومؤخراً قال المخضرم شيمون بيريس، نائب رئيس وزراء إسرائيل، بأن بلاده مستعدة لإجراء محادثات سرية أو علنية من أجل السلام مع لبنان. وبالتزامن مع هذا القول، تحدثت تسيبى ليفنى وزيرة الخارجية الإسرائيلية عن الحاجة الماسة لعقد اجتماع فوري بين إيهود أولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس لمناقشة المستقبل، وقد رحب عباس بهذه الدعوة بلا شروط.

وخارج الدائرتين الإسرائيلية والفلسطينية، يدعو الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي خافيير سولانا إلى «عقد مؤتمر دولي للسلام» فيما بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ويعتقد سيرجى لافروف وزير خارجية روسيا أنه حان الوقت لتنشيط مفاوضات السلام على المسار الفلسطيني استناداً إلى خريطة الطريق وعقد مؤتمر دولي للتسوية العربية الشاملة، ومن المعلوم الآن أن الجامعة العربية بصدد إلقاء ملف التسوية في حجر مجلس الأمن، كي يضطلع بقرارات وإجراءات صارمة تحسم هذا الملف طبقاً لجداول زمنية محددة.

من يتابع ظاهر هذه المداخلات قد يتصور أن صحوة عملية السلام العربية الإسرائيلية باتت قاب قوسين وأنه لاينقصها سوى انتقال هؤلاء المتداخلين من حيز القول إلى أطر الفعل والنفاذ لكن حقيقة الأمر غير ذلك بالمرة . إذ ان مواقف الطرفين الحليفين الأكثر مسؤولية عن تعطيل قطار التسوية إسرائيل والولايات المتحدة تراوح بين حدي المراوغة والصمت المريب.

بالنسبة لإسرائيل، هناك بالفعل مدرسة تجادل بأن تشغيل مسارات التسوية مع سوريا أو لبنان أو الفلسطينيين، ربما أثار جديداً واعداً يدفع بهذه القوى ، كل على حدة، للإنشداد بعيداً عن القطب الإيراني المشاكس، وأنه بناء على دينامية التفاوض السلمي ليس ثمة مايمنع من تصدع أو حتى تفكيك مايدعى بمحور طهران ـ دمشق ـ حزب الله ـ حماس.

إلى ذلك، لا يفتقر المجال الإسرائيلي السياسي الحركي والفكري الايديولوجى، إلى من يعتقدون في ضرورة اشتقاق سبل ومساقات أخرى مع المحيط العربي غير أدوات القوة التي لم تثبت جدواها تاريخياً، لاسيما في ضوء نتائج الحرب السادسة مع حزب الله وآلامها الطازجة. غير أن أصحاب الأفكار والنيات العاطفة صدقاً على الجنوح للسلم مازالوا قلة قليلة هناك كماً وفعالية.

ولا يتعارض هذا التقدير مع التصريحات المشار إليها أعلاه، المنسوبة لوزراء ومنفذين كباراً في حكومة إيهود أولمرت، لأن هؤلاء المسؤوليين وحكومتهم ورئيسها أولمرت ذاته هم الآن موضع لوم ومساءلة من قطاعات واسعة للرأي العام الإسرائيلي، وربما كان مستقبلهم السياسي وعهدهم على كف عفريت.

ثم إنهم جميعاً لايبدو أن أي استعداد لملاقاة الأطراف العربية المعنية في مؤتمر دولي «فاعل» مرجعيته الشرعية الدولية وقراراتها الخاصة بالصراع الإسرائيلي العربي . وهذه هي الآلية الأوفر حظاً لتدشين عملية سلام أقرب للأنصاف وأكثر استقرارا. كما إنهم يفضلون في أحسن الافتراضات الانخراط في مسارات تفاوضية منفصلة، بهدف الإنفراد بكل طرف عربي على حدة، تسهيلاً لإملاء شروطهم من جهة والتلاعب بجبهة مفاوضيهم العرب من جهة ثانية.

والشاهد أن أصحاب الرأي السائد والصوت الأعلى في إسرائيل هم الذين يعتبرون أن تقصيراً إسرائيلياً ما حدث في ادارة الحرب السادسة، وأن نتائج هذا التقصير المخيبة لا تصلح منطلقاً التسوية مع العرب.. ومن ثم، فإن الأجدر بالاهتمام والأولوية هو الإعداد لجولة أو موقعة قادمة مع حزب الله أو سوريا أو حتى إيران، تعيد لإسرائيل وجيشها هيبتهما وبالتداعي قدراتهما التفاوضية الإملائية.

أما على الصعيد الأميركي فإنه لم يصدر عن واشنطن ما يكفي للقناعة بأن الإدارة الأميركية تضمر أشواقاً واضحة لتحريك عملية التسوية وإقالتها من عثراتها . لا أدل على ذلك من فتور هذه الإدارة إزاء المقترحات والدعوات المتناثرة بإحياء هذه العملية، وبخاصة الاتجاه العربي إلى الاستعانة بمجلس الأمن «واللاورقة» المرفوعة من الجامعة العربية إلى المجلس بهذا الخصوص.

كذلك، لاتحمل تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لأحداث 11 سبتمبر أيه بشارة لعملية سلام الشرق الأوسط. واللافت أن كل الغيورين على هذه العملية، مناورين كانوا أم صادقين يعترفون بأن سيرورتها مازالت معلقة بالسياسة الأميركية، وأجندتها وتفضيلاتها.

وبالنظر للعزوف الأميركي الواضح عن التعاطي مع هذا الملف، فمن المرجح أن مواقف وتوجهات المعنيين الآخرين رغم كثرتهم ستبقى حبيسة الأمنيات والتفكير الرغبوي وربما المناورات حتى إشعار آخر.

ويصح الاستطراد في هذا المقام إلى أن التعقيدات الموصولة بمسار التسوية الفلسطيني، من حيث أطرافه وأبعاده ومفرداته تكاد تنفى احتمال تنشيطه جدياً بمعزل عن المدارات المستقبلية لقضايا وملفات «شرق أوسطية» أخرى، حتى أن المرء يطمئن للاعتقاد بأنه لا فرصة ملحوظة للشروع في تطبيق أية خريطة طريق لفلسطين بالذات، مهما كانت مضامينها، بعيداً عن إقرار خرائط لهذه القضايا الأخرى وتخضع لهذا التقدير المساحة التي تبدأ من كابول إلى بيروت، مروراً ببغداد وطهران ودمشق.