إنه استفتاء مهيب../ رشاد أبو شاور

لم أكن وحدي القلق على ذلك الرجل المؤمن، المجاهد، الجسور...
سمعت السؤال من كثيرين، وأنا نفسي سألت نفسي ذات السؤال: هل سيظهر في مهرجان الانتصار الذي دعا إليه؟!

قدّرت أنه سيظهر، فواحد مثله قرن القول بالفعل، والوعد بصدق التنفيذ، لا يمكن أن يدعو الناس للاحتفال ثمّ يظهر من وراء حجاب تقني على شاشات عملاقة، مّما يحرمه من حميميّة ودفء التواصل الإنساني بينه وبين جمهور بعضه حضر ماشيّاً عشرات الكيلومترات من قرى الجنوب المنتصر، حاملين الرايات، منشدين أناشيد النصر، مستذكرين شهداءهم، والمعارك البطوليّة، ومؤجلين إعادة بناء بيوتهم...

سؤال تردد كثيراً: أيعقل أن يجنّوا و(يفعلوها)، أن يقصفوا حشوداً ليقتلوا رجلاً رأوا فيه عنوان تحديهم وهزيمتهم، ورمز ذلّ جيشهم الذي تمّ قهره في معركة غير متكافئة تسليحيّاً وعدداً؟!

ربّما زعيم لبناني واحد قبله بلغ مرتبةً عربيّةً وعالميّة هو القائد الكبير كمال جنبلاط، والذي ظهر في زمن العملاّق جمال عبد الناصر وزمن الصعود، وتسيّد الخطاب القومي العربي، في زمن القطبين والتوازن العالمي، واليوم نرى النار و..قد خلفّت رماداً!

السيّد وما يمثّله، ظهر في زمن الحكّام المهزومين، وهو والمقاومة لم ينتصروا ( تقنيّاً ) (بشوية) صواريخ مضادة للدبابات، فلدى أبأس ( دولة ) عربيّة، إذا استثنينا ( جيبوتي) و( جزر القمر ) _ وأنا هنا أتحدّث عن القوّة العسكريّة، ولا أقلل من شأنهما _ من الأسلحة ما يفوق ألوف المرّات ما يمتلكه حزب الله، ولكن الهدف والقرار السياسي والإرادة، هي المقوّمات التي تفتقدها قيادات عاجزة.

ذكّرتنا زحوف يوم الجمعة 22 أيلول الانتصار بالجماهير التي كانت تزحم الشوارع والساحات أيّام القائد جمال عبد الناصر، بعد الانتصار على العدوان الثلاثي عام 56، وأيام الوحدة السوريّة المصريّة عام 1958...

عندما يقول السيّد بأن ( إسرائيل) أوهى من بيت العنكبوت، فهو صادق، ذلك أنها استراتيجيّاً كذلك، فقوّتها بعد الحقن الأمريكي مستمدّة من ضعف الحال العربي الرسمي.

أثناء حرب ال33 يوماً، بمفاجآتها التي أعدتها المقاومة، تابعنا التصريحات المرتبكة لقادة العدو، وهبوط سقف وعودهم ( لجمهورهم)، مع تزايد خسائر( الجيش الذي لا يقهر)، ثمّ مع الارتباك والتقهقر ميدانيا، بهمّة المقاومين الذين برهنوا على أنهم السلاح الذي لا يقهر، والإيمان الذي لا يقهر، وهو ما دفع الإدارة الأمريكيّة إلى القبول بوقف الحرب العدوانية، بعد أن خاب رهانها على جيش أرادته أن يرسم بجنازير دبابات شرقاً أوسطاً جديداً، ويعوّضها عن مسلسل هزائمها في العراق.

مروّجو فكر الهزيمة والتبعيّة والاستخذاء من حكّام وساسة مرتزقة، وكتّاب، وصحفيين، أخذوا يشككون في الانتصار، لأنه باغتهم وأسقط أفكارهم، ووضعهم في دائرة الاتهام والفضيحة، فالأمّة ليست مهزومة، المهزومون هم الصغار الذين يتلقّون الأوامر من ( السفراء ) الأمريكيين في ( عواصمهم)، وجوقة العنصريين المشككين في ( نوعية ) الإنسان العربي، الذين يتجاهلون المقاومة العريقة في فلسطين، والمقاومة المظفرّة في العراق التي رغم كّل محاولات الاحتلال تشويهها بالعمليات الإجراميّة التي تحصد أرواح عشرات الأبرياء يوميّاً، فإنها تحشره في زاوية هزيمة لا مخرج له منها إلاّ مذموماً مدحوراً.

التنظيم الدقيق المبهر للاحتفال الاستفتائي على خّط المقاومة والانتماء، مئات الألوف يحتشدون بانضباط، بانسجام، باحترام، بدقّة، كل يعرف مكانه.. أليست هذه هي روح المقاومة التي بها تحقق الانتصار؟! لا مظاهر مسلحّة، فالقوة في مواجهة العدو وليست للاستعراض...

هذه الجماهير المنظمّة هي التي خاضت حرب ال33 يوماً وانتصرت، فحقّ لها أن تحتفل، وهي تدفقّت إلى بيروت ( العروبة) _ كما وصفها السيّد _ لتعلن المبايعة لنهج المقاومة الذي لا نهج غيره لحماية الوطن، والخروج به من حالة الضعف إلى حالة السيادة الوطنيّة.

وكما كانت الجماهير العربيّة تتحلّق حول الراديو في كل بلاد العرب لتسمع خطاب جمال عبد الناصر، رغم السجن الذي ينتظر من يتّم القبض عليه متلبسّا بسماع صوت العرب، تجمعّت الأسر أمام التلفزيون لترى وتسمع السيّد العربي المقاوم.

إنها الروح تعود منتفضة من تحت رماد الهزائم، منتشية بنصر طالما تمنّت أن تراه وتعيشه.

ما رأيناه ليس احتفال طائفة، فالطائفيّة جبانة، تابعة، متواطئة، وصورتها القبيحة تتجلّى موتاً وخراباً هناك في عراقنا العربي الحبيب.

في مهرجان الانتصار رأينا رجال الدين الصادقين، وقادة القوى السياسيّة، والحزبيّة من شيوعيين، وقوميين سوريين، وناصريين، وبعثيين، ورأينا الكفاءات الثقافيّة والفكريّة، وخفق علم فلسطين يلوّح به أبناء المخيمات، ففلسطين هي في القلب بالنسبة السيّد حسن نصر الله، والمقاومة اللبنانيّة، وحزب الله وقياداته، وإعلامه ممثلاًّ (بالمنار) التي يمكن القول بأنها لفلسطين بقدر ما هي للبنان.

لا، ليس السيّد حسن قائد تنظيم طائفي وإن انتمى ولادةً لطائفة مسلمة، ولا هو قائد مليشيا في زاروب من زواريب المدن اللبنانيّة، إنّ من شاهدنا بحرحشود المقاومة وهي تستقبله هو زعيم وقائد على مستوى قومي لأنه يحمل قضيّة أمّة بشجاعة، هو الذي لم يتردد في الظهور علناً مع حارسين بلا سلاح، متحديّاً تهديدات قادة العدو، وطيرانه الذي كان يجوب سماء بيروت أثناء الاحتفال، فلا اهتّز القائد، ولا أبهت الجموع الجسورة...

كان طبيعيّاً أن يحاكم سيّد المقاومة بؤس الخطاب السياسي العربي المستسلم، وان يحيي الزعيم العربي الكبير ( شافيز)!. وأضيف: الزعيم الناصري، وهذه ليست من عندي فهي من شافيز نفسه وعلى شاشة الجزيرة، والناصرية تحرر من الاستعمار والنفوذ الإمبريالي، وهي تحرير وعدالة وتكافؤ فرص، تعليم، وصحّة، وبناء مصانع، هي تحويل مصر من ( عزبة) إلى بلد قائد، هي يا حسرتي التي مسخت بعد الردّة ( عزبة) تورّث للأبناء!...

اقرأوا كتاب ( آراء إسرائيليّة حول الأداء العسكري ) الذي ترجمه أنطون شلحت وصدر عن منشورات مدار، و تصريحات الصحفي حاييم بار على موقع عرب48 التي قال فيها أن ( رابين) أخبره بأنه ذهب لتوقيع اتفاق (أوسلو) لأن جيش الدفاع ليس بالقوّة المتوهمة، وأنه لا يريد للجيش أن يهزم في حرب شاملة..أليس ما فعله حزب الله هو (بعض) ما كان يخشاه ( رابين)؟ لو شاركت جيوش عربيّة في المعركة مع المقاومة اللبنانيّة، أما كنّا ننتزع بالقوّة دولةً فلسطينيّة. رحم الله جمال عبد الناصر الذي قالها: ما أخذ بالقوّة لا يسترّد بغير القوة، والذي رحيل يوم 28 أيلول عام 70 في عّز شبابه...