الاتحاد الأوروبي والموقف من القدس.. تقارير تحفظ في الأدراج../ رنا بشارة

قبل نحو ثلاثة أسابيع من انطلاق فعاليات احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية نشرت صحيفة الغارديان في عددها الصادر يوم 7 آذار 2009 خبرا حول تقرير للإتحاد الأوروبي وصف بالسري، وتم تسريبه بعنوان «اسرائيل تسعى إلى ضم القدس» يتناول الممارسات الإسرائيلية في القدس الشرقية.

ووفق الصحيفة، فإن الاتحاد الأوروبي في تقريره يتهم الحكومة الإسرائيلية باستخدام توسيع نطاق المستوطنات وهدم المنازل وسياسات التمييز في الإسكان للعرب والجدار العازل في الضفة الغربية كوسائل في سعيها الحثيث «لتنفيذ خطة الضم غير القانوني للقدس الشرقية».

كما يشير التقرير «المسرب» إلى أن الاستيطان في القدس الشرقية يتم بتسارع كبير، وانه منذ بدء محادثات أنابوليس للسلام في أواخر عام 2007 تم تقديم طلبات لبناء نحو 55 ألف وحدة سكنية في مستوطنات جديدة، تم منح رخص بناء لثلاثين الفا منها حتى الآن، وإن هناك نحو 470 ألف مستوطن في المناطق المحتلة بمن فيهم 190 ألفا في القدس الشرقية. إن الاتحاد الأوروبي قد أعرب في الوثيقة عن قلقه بشكل خاص إزاء الاستيطان داخل البلدة القديمة، حيث هناك مخطط لبناء مستوطنة جديدة تضم 35 وحدة سكنية في الحي الإسلامي، بالإضافة إلى خطط توسعية في سلوان بالقرب من سور البلدة القديمة.

وتنقل الصحيفة عن التقرير المؤرخ في كانون الأول من العام 2008 الماضي تحت عنوان «تقرير رؤساء بعثات الإتحاد الأوروبي» أن إسرائيل قد سارعت في تنفيذ خططها في القدس الشرقية، وهي تقوض مصداقية السلطة الفلسطينية وتضعف الدعم لمحادثات السلام.

وبقدر أهمية الخبر وما جاء فيه من تفاصيل حول التقرير إلا أن الأهم من ذلك أننا- أولا- لم نكن لنعلم به لولا جهود «المسربين» ومن ثم جهود «الغارديان» ووسائل الإعلام والمواقع الالكترونية التي تناقلته فيما بعد. ثانيا- وهو الأخطر- أن الفلسطينيين والعرب بعد علمهم بكون التقرير «سري» وبأنه نشر فقط نتيجة التسريب، تعاطوا مع الأمر كخبر مجرد خارج عن أي سياق سياسي، رغم ما يحمل في مضمونه من دلالات سياسية خطيرة. لم تستخدم حقيقة إخفاء الاوروبيين للتقرير كوسيلة ضغط سياسية عليهم، ولا حتى إعلاميا. كان من واجبنا فضح الغطاء الذي يمنحه الاتحاد الأوروبي للإسرائيليين لتنفيذ مخططاتهم في القدس ومر الموضوع مرور الكرام كمعلومة عابرة تضاف إلى قاموس المعرفة، لا أكثر ولا أقل.

لم يساءل الأوروبيون حول موقفهم ولم يطالبوا بإيضاحات حول سبب عدم تبني التقرير رسميا والاعلان عنه، رغم الجهد الاعلامي الذي بذله لنا طوعا مراسل الصحيفة البريطانية لنشر هذه الحقائق لنا. لم يتم الضغط باتجاه فرض تبني التقرير، وبدلا من ذلك تركت الساحة للإسرائيليين ليملوا على الأوروبيين مشيئتهم، وأعيد التقرير إلى أدراج الاتحاد الأوروبي الى ان تم التسريب والقصة لا تنتهي هنا....

في 16 كانون الاول من العام 2005، نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» خبرا بعنوان: «تقرير الاتحاد الأوروبي المحظور: ممارسات اسرائيل في القدس الشرقية انتهاك للقانون»، جاء تحته: «الشرق الأوسط تنشرالتقرير الذي قرر الأوروبيون عدم تبنيه أو نشر تفاصيله بسبب ضغوط خارجية.» تناول الخبر ملخصا للتقرير وبعضا من أجزائه وكتب أعلاه «سري للغاية».

وجاء في الخبر أن «بعثات دول الاتحاد الاوروبي الـ25 في القدس المحتلة وتل ابيب ورام الله قد أعدت مسودة تقرير حول ممارسات سلطات الاحتلال الاسرائيلي في المدينة المقدسة ومحيطها. واتسمت المسودة بمجملها بتوجيه الانتقاد الشديد لاسرائيل وممارساتها بدءا من هدم منازل الفلسطينيين في القدس الشرقية وتخفيض عدد تصاريح العمل للفلسطينيين وفرض نظام ضرائب خاص (تمييزي) على العرب. ويصف التقرير اجراءات اسرائيل في القدس المحتلة بانها «انتهاك لخطة خريطة الطريق والقانون الدولي». واعتبر التقرير الاحياء الاسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة مثل التلة الفرنسية وراموت وبيسغات زئييف وهار حوما، مستوطنات غير شرعية.»

التقرير، وفق ما جاء في الخبر لم ير النور نتيجة الضغوط الاسرائيلية والاميركية، ولم يتم تبنيه او حتى الموافقة على نشره كمسودة، الأمر الذي لاقى ترحيب المسؤولين الاسرائيليين الذين وصفوا لهجة التقرير بـ «المزعجة» وحذروا من ان تبنيه رسميا سيؤثر على العلاقات بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي، مما يعني أن الاوروبيين قد أجروا مشاورات مع الاسرائيليين وطلبوا موافقتهم قبل تبني التقرير رسميا.

أما الفلسطينيون فقد حالفهم الحظ وعلموا به بعد أن تمكن أحد المسربين المحترفين من تسريبه للصحافة رغم عدم رغبة الأوروبيين ومحاولتهم تجنب الإحراج مع الإسرائيليين، إلا إذا كان قد تم تسليم نسخة منه للقيادة الفلسطينية سرا، الأمر المستبعد لأنه في هذه الحال يفترض ألا يمر الموضوع بهدوء على هذا النحو.

يدرك الأوروبيون أنه خلال الفترة الزمنية ما بين تقرير العام 2005 وتقرير العام 2008 تغير الكثير في القدس، فثلاثة أعوام كفيلة بأن تضمن تحقيق جزء ليس ببسيط من أهداف الاسرائيليين في تعزيز ضم المدينة، مع ذلك آثر الأوروبيون الصمت. وإن لبى ممثلو بعثاتهم الدبلوماسية في القدس دعوة حضور انطلاق احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية في 21 آذار، فهذا من باب «اللباقة» الدبلوماسية وليس من منطلق تعزيز موقف سياسي، فالسياسة ليس من صلاحياتهم بل من شأن حكوماتهم. كما أن حضورهم، بكل الأحوال، لن يتسبب بالكثير من الازعاج للاسرائيليين، بما أن الاحتفال المركزي قد أقيم في بيت لحم وليس في القدس.

ما من شك أن العديد من ممثلي البعثات الدبلوماسية الأوروبية في القدس ومناطق السلطة الفلسطينية، بحكم تواجدهم الجغرافي واطلاعهم على حقيقة الأوضاع ومن باب الامانة والمصداقية، قد بذلوا جهودا حثيثة من أجل إصدار التقرير ورفعه إلى صانعي القرار في بروكسل ليتم تبنيه رسميا، إلا أن هذه الجهود قد أجهضت وتم طي الموضوع و»لفلفته» مرة أخرى دون أية مساءلة. ولربما تعرض الأوروبيون في السابق أيضا لضغوط من أجل التراجع عن نشر تقارير أخرى مماثلة تعذر تسريبها والله بكل شيء عليم.

ربما يظن الاتحاد الأوروبي أنه بتقديم بضعة «يوروهات»- على مضض- للفلسطينيين لتنفيذ مشاريع خيرية هنا وهناك في القدس يستطيع أن يغطي على تواطؤه السياسي مع الاسرائيليين في موضوع القدس. وربما يتواطؤ البعض فعلا مع هذا النفاق الأوروبي فيساعده على التملص من الموقف الواضح والفعلي... الفعل على الأرض لإسرائيل والغطاء الأوروبي موجود. وللعرب الندوات والمؤتمرات وبعض المشاريع الخيرية والإنسانية. هذا عدا كون التمويل في الكثير من الأحيان مشروط بكون المشاريع ذات طابع «تعايشي» و «تعاوني»، أي مشاريع فلسطينية/ اسرائيلية مشتركة تتم تحت الاحتلال بغض النظر عما تقوم به اسرائيل على أرض الواقع، الأمر الذي يحمل في طياته أيضا دلالات سياسية.

من هنا يأتي أهمية الدور العربي لدعم وانقاذ ما تبقى من القدس ومؤسساتها، فعروبة المدينة يفترض ألا تخضع لمناورات الدولار واليورو. ولتكن احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية مناسبة للتفكير بهذه الثقافة السياسية ومناسبة للتصدي لتهويد القدس وإعادة تعريب المدينة، وتعريب الموقف والتفكير بشأنها.

لقد اختار الاتحاد الأوروبي التهرب من الوقوف أمام مسؤولياته تجاه عملية التهويد المتسارعة الجارية في القدس، فلم يجرؤ حتى على تبني تقرير. أما فلسطينيا وعربيا، فلم يتم ممارسة ضغوط سياسية وإعلامية من أجل حث الاوروبيين على الخروج عن صمتهم المتكرر وإخراج تقاريرهم من الأدراج والإعلان عن موقف سياسي حازم وجريء إزاء عمليات التهويد الجارية في القدس. لم يوضع الاوروبيون أمام امتحان حقيقي لترجمة موقفهم الرافض للضم الاسرائيلي للقدس الشرقية إلى خطوات عملية بعيدا عن الاملاءات الاسرائيلية.

يستطيع الاوروبيون انتظار تشكيل الحكومة الاسرائيلية المتشددة القادمة- حكومة طرد العرب- ليحددوا سياساتهم، ويستطيعون ترقب سياسات إدارة أوباما في المنطقة ليلهثوا وراءها، هذا شأنهم. أما نحن كفلسطينيين وعرب فلنا شأننا أيضا ويفترض أن نحدد سياساتنا وأن نتخذ قراراتنا باستقلالية وفق ما نراه نحن مناسبا.
عن "القدس" المقدسية

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص