الاقتتال الفسطيني مأساة.. فمن المسؤول عنها؟/ غسان يونس*

ان الاحتقان وما يصحبه من اقتتال في أراضي السلطة الفلسطينية، يدعو للأسف وينذر بأيام أصعب قادمة، كما أنه يستدعي الحذر والانتباه الشديدين وعدم التهاون مع الحدث على اعتباره غيمة عابرة والتقليل من شأنه، بل يجب النظر الى الأمر من باب كونه مأساة وطنية وسابقة خطيرة العواقب قد تكون أشد دمارا من محطات صعبة كثيرة مر بها الشعب الفلسطيني وثورته المسلحة.

لم نفاجئ بهذا الاقتتال الدامي، كما لم يكن من الصعب التكهن به، بل كانت العناوين واضحة عند المتابعين للشأن الفلسطيني، ولم يكن الأمر عندهم الا مسألة وقت. فلطالما حذر العديد من الكتاب والصحافيين والساسه الفلسطينيين والعرب والأجانب من أن الانفجار قادم لا محالة اذا لم يتم تداركه ومعالجة أسبابه، وبسرعة.

إن التوتر والاقتتال في الشارع الفسطيني بين حركتي حماس وفتح ليس صنعا فلسطينيا بامتياز، بل له أياد اقليمية ودولية لها مصالح قوية في نشوئه وتأجيجه، لكن الشيء المؤكد هنا أن الفلسطينيين وحدهم، وبالتحديد حركتا حماس وفتح، هم من يملك مفتاح التهدئة، وعليهم القيام بذالك وبسرعة.

لست متأكدا من ان التصالح العشائري (وبوس اللحى) قد يلغي الأزمة، بل قد يساعد هذا ربما على التوصل الى تهدئة مؤقتة وخادعة، سرعان ما تزول لكي نقف امام الحقيقة المرة مرة أخرى لنعاود الكرة مخبئين رؤوسنا في الرمل باحثين عن تهدئة خادعة اخرى، دون الادراك ان لهذا الاقتتال أبعادا خطيرة قد لا يحسن المرء معالجتها لاحقا.

يدرك على الفور، المتابع للفضائيات العربية والأجنبية ان هناك تحريفاً للصورة وتهميشاً لأسبابها. كما يلاحظ المشاهد ايضا محاولات لا تكل من جانب الرئيس الفلسطيني والناطقين باسمه ومن جانب حركة فتح والناطقين باسمها ومن جانب جوقة كبيرة من الاسرائيليين والأمريكان والعرب لتحميل حركة حماس وحكومة السلطة الوطنية المسؤولية عن هذا التدهور الخطير. لا ادي اذا كانوا هم أنفسهم مقتنعين بما يقولون ويصدقون ما يدعون، لكن تكرار التغليط قد يشوش للبعض بوصلتهم لينساقوا بعدها وراء هذه الحملة دون تمحيص، مندفعين نحو حرب اهلية ليست في مصلحة احد سوى اسرائيل والولايات المتحدة والأنظمة التابعة لها بالمنطقة.

فلنتذكر معا ان الحكومة الحالية قد اتت الى سدة الحكم اثر انتخابات ديمقراطية، أشاد بنزاهتها القاصي والداني. لقد منيت فتح بهزيمة كبيرة وحظيت حماس بفوز ساحق ( او على الأقل فوز اعطاهاالأعلبية الديمقراطية والحق في تشكيك الحكومة)، كانت نتيجة الانتخابات مخيبة لفتح ومفاجئة لحماس ومدهشة للكثيرين في العالم. لقد وجدت العديد من الحكومات العربية والغربية نفسها امام سؤال كبير: كيف نتعامل مع حكومة تترأسها حماس؟ كيف لنا ان نتجاهل حكومة منتخبة اثر عملية نزيهة لطالما طالبنا بها؟

هنا، لابد لنا من العودة الى الأجواء التي سبقت الانتخابات: كان هناك رأي عام غاضب من تفشي ظاهرة الفساد المالي والاداري والسياسي لدى قادة حركة فتح، وقد ذهب البعض الى ان هذا الفساد هو السبب الأول ( واعتقد البعض انه الأخير) لمآسي الشعب الفلسطيني والحالة التي وصل اليها.

لقد كان الاقتصاد مترديا والأمن معدوما- وعلى الصعيد المحلي أنتجت قريحة الشارع العديد من النكات اللاسعة التي تهكمت على البعض من قادة فتح ووزراء وأجهزتها الأمنية. نتذكر أيضا كيف حوصر الرئيس عرفات، واجبر على ما يشبه العزلة التامة، كما مورست عليه ضغوط كبيرة من اسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية لديها رؤيا مطابقة من اجل التنازل عن بعض صلاحياته ( التي كانت مطلقة) لصالح رئيس الحكومة حينها، أحمد قريع، الذي شارك أيضا بالمناورة النفسية والمعنوية على عرفات، هذا بالإضافة إلى مجموعة من رجال عرفات وصنائعه الذين اعتقدوا ان الفرصة سانحة للنيل منه والاصطفاف الى جانب ( الحيط الواقف). لقد كانت المطالب التي وجهت الى عرفات حق، إلا انه لا يساورني الشك في انهم أرادوا بها باطلاً.

في مثل هذة الاجواء تقريبا أجريت الانتخابات التشريعية، إذ عاقب من خلالها الناخب حركة فتح على تقاعسها وسوء إدارتها، وكافأ حماس التي كانت في المقابل تدير شبكة خدمات اجتماعية كبيرة ومتشعبة، تقدم الخدمات للناس حيث اخفقت فتح، معطية نموذجا لنظافة اليد وحسن الإدارة، هذا بالإضافة إلى النشاط المقاوم للاحتلال والذي حظي بدوره على شعبية كبيرة لدي العديدين في الداخل والخارج.

بعد فوز حماس وتكليفها حسب ما هو متوقع بتشكيل الحكومة، بادرت الحركة أولا إلى المناداة بتشكيل حكومة وحدة وطنية- سواء ادراكا منها بالحالة الدولية المعادية لها وما يترتب على ذلك من عراقيل، أو حرصا منها على الوحدة الوطنية وضرورتها في مثل هكذا ظروف. الا ان اطراف الوحدة المرجوة رفضوا النداء واشاحوا بوجههم عنها تاركينها تشكل حكومة غالبيتها العظمى من حماس.

بعد إعلان الحكومة، تقاطرت العراقيل... كما هو متوقع ايضا لإفشالها، من الداخل والخارج على حد سواء. فقد تبين ان فتح لم تقبل الهزيمة" بروح رياضية" ولم تستخلص العبر منها لتصليح احوالها الداخلية، بل سارع رئيس السلطة الى (تشليح) رئيس الحكومه الجديد الكثير من الصلاحيات وخصوصا الأمنية منها، وهي الصلاحيات ذاتها التي حورب عرفات بالامس من اجل التنازل عنها لصالح رئيس الحكومة. أما بعض الدول العربية كمصر والأردن فقد اختلقت الذرائع من اجل عدم التعامل مع (حكومة حماس)، إذ رفضت الأخيرة استقبال وزير خارجيتها، وكان واضحا ان هذا جاء بأمر أمريكي من أجل عزل الحكومة وعرقلة أدائها. لقد تزامن هذا مع اخلال اسرائيل بالاتفاقية التي تلزمها تسليم عائدات الضرائب التي تحصلها نيابة عن السلطه الوطنية، ثم اكتمل الطوق باوامر أمريكية الى البنوك الأجنبية والعربية تحذرها من تسهيل تحويل الأموال الى الأراضي الفلسطينية، وانصاع كما هو معرف كل المعنيين الى هذا التعسف وبانضباط شديد ايضا. هذا وقد مورست الضغوط على حكومات الدول الاوروبية من اجل عدم التعاون مع حكومة حماس.

وقد رضخت هذه الدول بالفعل. المهم هنا- ربما ليس الغريب، إن هذا حصل بمشاركة وتشجيع وتنسيق مع حركة فتح. وقد كان الرئيس عباس ومساعديه بمثابة ورقة التوت التي حاولت بعض الدول التستر بها على عورتها. لقد تصرف الرئيس وكأن هذه الحكومة ليست حكومته ولا تعنيه بشيء، وقد وافق على، وبادر إلى زيارة دول ترفض استقبال احدا من افراد حكومته دون ان يشترط على الأقل ان يرافقه الزهار وزير الخارجية.

كما انه وافق على استلام مساعدات مالية تتخطى( حكومته) المنتخبة، هذا وقد اوعز الى الأجهزة الأمنية بالتعامل معه مباشرة، مبقيا وزير الداخلية من حماس دون صلاحيات تقريبا، الأجهزة الأمنية ذاتها التي فاخرت وزمرت وطبلت حين (ضبطت)مبلغاً صغيراً من المال حاول (تهريبه) الى الداخل احد قياديي حماس في محاوله من الحركة لسد بعض الحاجة التي نتجت عن الحصار المفروض.

وكأن هذا لا يكفي، فقد انضم الرئيس عباس الى اسرائيل والولايات المتحدة وبعض الأطراف العربية بمطالبة حماس بالاعتراف باسرائيل دون مطالبة اسرائيل بالمثل، فهي كما هو معروف لم تعترف حتى الساعة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

طلب عباس من حماس وقف هجماتها على المحتل دون اية ضمانة بان اسرائيل سوف توقف عدوانها على المواطنيين العزل. طالبها أيضا بالالتزام بمسار أوسلو وما تبعه من اتفاقيات دون ان تلتزم اسرائيل بالمثل- فهي تضرب عرض الحائط بكل الاتفاقيات والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة الأخرى: مثل استمرارها في مصادرة الأراضي وبناء الجدار ومضيها بسرعة في عملية تهويد القدس ورفضها لحق العودة ورفضها الاعلان عن مسؤوليتها الأخلاقية عن قضية اللاجئيين ولا حتى استعدادها لوقف عملية التدمير والقتل اليومي.

لقد دفع عباس بثقله من اجل الافراج عن الجندي السرائيلي الأسير، متجاهلا جريمة اسرائيل ومخالفتها لكل الأعراف الدولية في اختطافها لرئيس المجلس التشريعي وعدد من الوزراء واعضاء البرلمان والناشطين السياسيين. من يسمع الناطقين باسم عباس وفتح يتخيل أن كل شيء على ما يرام، وان إسرائيل (يا حرام) تريد السلام، وأنها أفرجت عن المعتقلين وأوقفت- على الأقل، بناء الجدار، وانها اوقفت عملية بناء المستوطنات وأنها اعترفت بحق العودة، وأنها سوف تتقاسم القدس مع الفسطينين...الخ الخ. انهم في فتح يروجون ببساطه الى ان السلام العادل في متناول اليد وان من يعرقل ذلك هو حماس (؟!) الم تكونوا في السلطة كل هذه السنين التي خلت؟ هل حصلتم على السلام؟ هل اوقفت اسرائيل عدوانها؟ هل توقفت يوما عن اذلال الناس على المعابر وفي كل مكان؟ وهل كان الاقتصاد مزدهرا حين كانت لكم الرئاسة والحكومة؟

كدنا في الأسبوع قبل الفائت ان نصدق دموع السيدة رايس- وزيرة خارجية الولايات المتحدة، وهي ( تبكي) الأبرياء الذين سقطوا نتيجة الاقتتال الداخلي، دون أن تنسى طبعا تحميل حماس المسؤولية الكاملة. كيف لا نصدها وحولها ثلة من الفلسطينيين، يتقدمهم الرئيس عباس نفسه، يهزون رؤوسهم بالموافقة على كل ما تقول؟ لماذا لم يتجرأ أحد على سؤالها: اين تكون دموعها هذه عندما تقتل اسرائيل الأبرياء يوميا وبسلاح أمريكي؟

ان الأوضاع الاقتصادية والامنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة صعبة، بل صعبة للغاية. لكنها بالتأكيد ليست بسبب سوء ادارة حماس، ليس بسبب من ان افراد الحكومة قد اختلسوا المال العام ولا لأنهم أهدروا الجزء الأكبر منه على السيارات الفاخرة ولا لأنهم انفقوه على بناء القصور، لا، وإنما بسبب حصار ظالم، إسرائيلي، أمريكي، أوروبي، عربي وفتحاوي. ثمن فكه يكون بالتنازل عن الثوابت والرضوخ الى الإملاءات الاسرائيلية والأمريكية.

يبدو ان البعض اصبح يؤمن الآن بأن الحصار قد بدأ يعطي أكله، وان ساعة الانقضاض على إرادة الناخب الفسطيني قد حانت، منادين الى اسقاط الحكومة المنتخبة وتلفيق اخرى بحجة تردي الاوضاع وحالة الطوائ التي تمر بها البلاد.

لقد شعرت بالأسى والحزن العميق حين بلغني عن صديق من رام الله ان المتظاهرين في احدى المظاهرات كانوا يرددون شعار: "بدنا حكومة حراميه"، إلى هنا أرادوا بنا أن نصل، أما الجوع أو التنازل عن الحق والكرامة. لحسن الحظ ما زالت الغالبية تختار الجوع على المذلة. علينا ان نطالب دائما بلقمة عيش شريفة لأطفالنا ( وهو اضعف الايمان) ولكن ليس عن طريق المطالبة بحكومة حراميه، بل بالتوجه بالاحتجاج والمطالب الى الرئيس عباس وفتح... فالمسؤلية عن تردي اللأوضاع تقع عليهم اولا وعاشرا...


ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019