الفلسطيني عدوٌ أينما كان../ وليد عبد الرحيم*

على الرغم من أهمية هاجس إيران النووي، وصواريخ حزب الله، واحتمالات الحرب مع سوريا، إلا أن" الخطر الأبرز" بالنسبة لإسرائيل ظل هو الوجود الفلسطيني، هذا الوجود الذي بمجرد بقائه واقعاً، يشكل خطراً على الكيان بالمعنى الجذري، في حين أن الصراعات والتخوفات الأخرى من الممكن اعتبارها صراعات غير أزلية من حيث تأثيرها على صلب وقلب المشروع الصهيوني وثمرته إسرائيل، فالحرب مع إيران قد تتم أو لا تتم، وقد يستطيع" المجتمع الدولي" لجم طموحات إيران العسكرية والنووية، وكذا الأمر بالنسبة للصراعات الأخرى مهما امتد أجلها واختلفت أشكالها إلا أن ذلك في النهاية ليس سؤال البقاء الإسرائيلي، سؤال البقاء هو السؤال الفلسطيني، وهو ما عبر عنه قادة ومفكرو وساسة الكيان في مؤتمر هرتسليا السابع الذي انعقد من 21 إلى 25 كانون الثاني 2007 .
.
شمعون بيريس، ثعلب السياسة الصهيونية المخضرم، قال: إن إسرائيل لا تنوي الإختفاء، والإختفاء بالنسبة لبيريس هو تسمية مقابلة للبقاء الفلسطيني، وعلى الرغم من كل شيء فإن الأصوات غير الناشزة في المؤتمر، والتي تعطي أغلبية رؤية بقدر ما تعطي أغلبية تطرف حقيقي فاشي عنصري، قالت: إن القيادة الحالية لإسرائيل ليست في مستوى تطلعات الشعب، على الرغم من استلهام تعابير مختلفة في هذا الخصوص، فهي تختلف بين " عوزي أراد" وهو رئيس المؤتمر ومعهد السياسة الاستراتيجية، وبين البروفسور الجامعي " غابي بن دور" الذي يشغل منصب رئيس مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا، الأول " عوزي" قال حرفياً: " إن القيادة الحالية لإسرائيل تتحمل جزءاً من التطورات الأخيرة"، في حين رأى " غابي بن دور" الآنف الذكر ضرورة تغيير جذري في القيادة الإسرائيلية، وأضاف حرفياً: " إن القيادة الحالية في إسرائيل يجب استبدالها، لا على خلفية ما تمثله من ايديولوجيا وإنما بسبب مواصفاتها السيئة" ولأن الشعب الإسرائيلي" يستحق قيادة أفضل"!.

مما سبق، ومع أخذ اعتبار آراء عدة في هذا الخصوص، تظهر مسألة على أهمية كبيرة هنا، وهي أن الإسرائيليين، خصوصاً مفكريها، باتوا يتحدثون بنفس المفردات ذات الدلالات السيكولوجية التي تحدث بها العرب والفلسطينيون خلال العقود الستة الماضية، وبرزت نغمة أن الشعب يستحق قيادة أفضل، والقيادة الحالية دون المستوى، وإلى ما هنالك، مما يعطي لهذه التعبيرات أهمية كبيرة، فهل بدأت تسقط مفردات وأركان إسرائيل في وحل الهزيمة بعدما كانت تحل مفردات النصر والتعجرف مكانها لعقود طويلة خلت؟

الإجابة على هذا السؤال، سؤال هزيمة الصهيونية تبدو صعبة، وإن كانت المؤشرات تدل على ذلك، لقد لخص المؤتمرون في هرتسليا وبشكل موضوعي حالة إسرائيل من الداخل، وكلماتهم في هذا الخصوص تعطي انطباعاً حقيقياً عما يجري داخل البيت الإسرائيلي، فالتطرف اللفظي والمتصاعد تدريجياً ينم عن شعور ارتدادي متزايد تباعاً بالانتكاس، ليغيب هنا الحديث عن الإنجازات على صعيد الجيش والأمن والتكنولوجيا والاقتصاد، ولتختفي صورة هرقل العظيم أمام التحديات من كل جانب، وإثبات العجز في المواجهة وذلك بسبب عوامل عدة أهمها:

أولاً: الانتفاضة الفلسطينية التي كسرت إعلامياً وأمنياً صورة إسرائيل ووهم ديمقراطيتها وأخلاقياتها.
ثانياً: احتلال العراق ، وما جره ذلك من فشل ذريع على مستوى خلق واقع إقليمي جديد غير معاد لإسرائيل، ولجم الأنظمة المجاورة.
ثالثاً: محاولة إرهاب المقاومة اللبنانية وحزب الله ،الذي نتج عنه هزيمة عسكرية لإسرائيل على أرض المعركة من حيث تحقيق هدف الحرب الذي فشل باعتراف القادة الإسرائيليين أنفسهم.
رابعاً: خفوت دهشة ولمعان الفكرة الصهيونية بالنسبة لليهود والقوى الإمبريالية واصطدام ذلك بصخرة الواقع وذلك بفعل الزمن والتجربة بما يعنيه من إصابة الكيان بالشيخوخة المبكرة.

لكن هذا لا يعني بأن سفينة الصهيونية قد تحطمت، إن التعبير الأدق هنا هو أن هذه السفينة بدأت تصدأ من الخارج وتتآكل من الداخل، بفعل العوامل الموضوعية والذاتية، وإن كانت إسرائيل بمساعدة حلفائها في أميركا والعالم والمنطقة تستطيع تلميع السفينة من الخارج فإن تآكل الداخل هو الأكثر خطراً والأشد فتكاً، إذ أن النادمين على عدم محو الفلسطينيين من خريطة الحياة كثر في إسرائيل كما عبر عن ذلك" عوزي أراد" رئيس المؤتمر "... وفي البلاد أدار رؤساء الوسط العربي بصورة واضحة ظهر المجن للأركان الأساسية لإسرائيل كدولة ديمقراطية وكدولة يهودية،- نسي المفكر هنا كيف تكون دولة أحادية الدين قسراً وصفةً دولةً ديمقراطية ؟؟؟-... يتابع أراد: وقد ربطوا مصيرهم مع المحيطين بنا، المتشككين والرافضين لحق دولة إسرائيل في الوجود".

وهكذا إذ تختلف المفردات فالرأي واحد ، والشعور بأن إسرائيل أبقت الدب في كرمها ينتشر عند غالبية المحاضرين في هرتسليا والذين يمثلون الرأي الأوسع في "إسرائيل" اليهودية طبعاً!!.

البروفسور " يسرائيل أومان" الأستاذ في الجامعة العبرية بالقدس والحائز على جائزة نوبل الشهيرة يقول : " .... اندفاعنا الجنوني للسلام انقلب علينا إلى لعنة " ويتابع : " ...خرائط الطرق والتنازلات واللفتات الكريمة والانفصالات والانطواءات وعمليات الطرد وغير ذلك لا تجلب السلام... هذه الأمور تعطي انطباعاً واضحاً أشد الوضوح لأبناء عمنا بأننا متعبون، لم تعد لدينا مناعة نفسية وقدرة على الصمود... علينا أن نقول لأبناء عمنا، الفلسطينيين والعرب، بأننا باقون هنا، لن نتزحزح..."

إذن هناك أصوات إسرائيلية متجددة في اللفظ ضاربة في تطرف المعاني والرؤى تحاول صياغة مقولة مفادها: بأن " التنازلات" التي تقدمها إسرائيل إنما هي واقع جديد وإضافي للحرب، فالاستعداد للحرب هو من يصنع السلام، وهي صياغة جديدة متجددة لمقولة أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، لهذا ذهب بعض المحللين إلى القول بأن على إسرائيل أن تتشبث بموقفها المتصلب، إلا في حال اختارت الحرب، وهي استفادة أيضاً حرفية من مقولة تشرشل" إذا أردت السلام فاستعد للحرب".

ما ميز مؤتمر هرتسليا ليس هذا المنطق بحد ذاته، فاليمين المتطرف يتحدث بنفس اللغة منذ نكبة العالم والمنطقة عام 1948...، أما الذي شهد تغيراً هذه المرة فهو طغيان علنية المقولات المتطرفة والعنصرية وسيادتها على منطق المؤتمرين، وبعبارات أكاديمية أكثر صراحةً، وغابت الأصوات التي يسميها البعض معتدلة، والتي نسميها أكثر حنكة وفهماً للصراع و لحركة السياسة والإعلام في العالم.

إن لغة التطرف التي سادت المداخلات هي تعبير عن أزمة حقيقية، نقول حقيقية بلا مبالغة، يشعر بها الإسرائيليون بشكل جماعي، بعضهم يرى تفتت الدولة ككيان أحادي يهودي، والبعض الآخر يرى خطر الضعف وزوال الأهمية الاستراتيجية للغرب القادم أمام المتغيرات في المنطقة والعالم، أما البعض الآخر فقد بات يتحدث عن حتمية انهيار الكيان، لكن الجميع يعيد ذلك إلى " تساهال إسرائيل" هذا "التساهال" الذي جلب الحرب لا السلام، ويرى هذا البعض بأن الجنوح نحو السلام سبب مشاكل جمة على الصعيد " الوطني، السياسي، الأمني".

البروفسور " أفرايم ياعر" من جامعة تل أبيب، والمشرف على " استطلاع الوطنية الإسرائيلية" قال بأن استطلاع العالم الحالي، لا يشي بخير من حيث مستوى شعور المواطن بالثقة في الحكومة والكنيست، والجيش والأمن، وبهذا ينضم " ياعر" أيضاً إلى الذاهبين نحو تحميل المسؤولية للقيادة متناسيا الحقائق الموضوعية ومستلهما مفردات الخطابة الرنانة التي اتهم بها الفلسطينيون والعرب طويلاً يقول ".. إن الجمهور يفصل بين المجتمع والدولة، بخاصة الممسكين بدفة القيادة، الجمهور يقول : "نحن وطنيون نحب الدولة، لا تقحمونا في إخفاقاتكم، وسوف نجد الطريقة للإصلاح" وهو ما يعبر أيضاً عن أزمة ثقة تجاه القيادة.

وضمن الحلول أو التوصيات المقترحة فيما يخص الوضع الداخلي- بما يعني الشأن الفلسطيني- برزت التعبير بأن الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 48 أشد خطراً من ذي قبل حيث أن خياراتهم باتت محصورة بالرغبة العربية، نظراً لرؤيتهم القائلة بأن إسرائيل دولة احتلال، كيان غاصب ، نظام عدو.

لقد وضع الفلسطينيون في الداخل عام 48 مصيرهم مع مصير الفلسطينيين خارج الحدود والمقصود هنا إدراك الإسرائيليين للتصاعد والتواصل العلني والواضح الذي ساد بين أبناء الشعب الفلسطيني وتصاعد حتى بلغ ذروته خلال الانتفاضة،ولا يبدو بأنه سيشهد تراجعا وإنما العكس، وهو أمر حتى بحسب الرؤية الإسرائيلية لا يمكن تفكيك عراه حتى أن الإسرائيليين باتوا يحاولون فصل الفلسطينيين الدروز عن بقية أبناء شعبهم من خلال ترويج مقولات استقلالية التراث والتاريخ الدرزي ودعم إنشاء برامج لإحياء "الشخصية الدرزية" في محاولة يائسة لفصلها عن فلسطينيتها وعروبتها وهو أمر يعد الطلقة الأخيرة في جعبة الصهيونية تحتفظ بها لإطلاقها عند نفاذ خططها وقد أطلقتها في الشهور الأخيرة، خصوصاً بعد ازدياد رفض الجندية في صفوف الفلسطينيين الدروز، واتجاه العديد من الشبان إلى تبني فهم ارتباطهم بالوطني الفلسطيني، لا الإسرائيلي، الأمر الذي يصيب إسرائيل برعب الاندحار في الداخل بعد الفشل في الامتداد نحو الخارج.

صحيح أن إسرائيل تدعي التفوق الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي على المحيط العربي، وهي فعلاً كذلك، لكنها تعاني اليوم من فقدان الحماس للفكرة الصهيونية حتى أن بعض مفكريها قالوا : " مرحلة ما بعد الصهيونية ستقتلنا" مما يعني فقدان الحماس لتسويق الفكرة التي أنشأت الكيان من على الجانبين، الأول الفلسطيني " في مناطق 48" والثاني لدى اليهود أنفسهم، الذين اكتشفوا بأن وعد الصهيونية بأرض اللبن والعسل هو وعد كاذب، فقد أتوا إلى بلد العمليات الاستشهادية والمقاومة وانعدام الأمن، وإصرار الآخر " الفلسطيني" على نيل حقوقه، وعزز ذلك كله الانتفاضة والإصرار المقاوم، و المقاومة اللبنانية وحزب الله الذي فشلت تكنولوجيا التفوق الإسرائيلية بمنع تنامي مشروعه العسكري والنظري في آن معاً، كما أن الواقع أثبت بأن موقعي الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية أنفسهم لم يلتزموا بها، وهذا نموذج الرئيس عرفات ماثل للعيان بما يبرر حتى اغتياله!!

لكن الخطر الداهم يبقى داخل الجدران، شمعون بيريس يرى أن أي نهوض فلسطيني في تحقيق وطن سيكون على حساب المشروع الصهيوني وفي ذهنه تواصل ووحدة الفلسطينيين على كافة الضفاف، يقول : "...إسرائيل لا تنوي الاختفاء كدولة يهودية لأسباب ديموغرافية" و تتضح في مفرداته الحيرة من عملية السلام التي كان أحد قادتها هو نفسه، أي أنه يريد سلاماً يحقق الأمن والطموحات الإسرائيلية بمعزل عن أي من الحقوق الفلسطينية الجوهرية وهو يدرك تماماً بأن الفلسطينيين لن يقبلوا بذلك مهما كلف الثمن، إذن فالحديث عن السلام إسرائيلياً ليس سوى عرض بضاعة في سوق السياسة العالمي، والديموغرافيا هو هاجس الإسرائيليين الحقيقي والأول، فبمجرد وجود الفلسطينيين هو الخطر بعينه على أركان دولة الصهيونية، إنها صياغة أخرى لمنطق بن غوريون وشارون وبيغن، ثمة صياغة جديدة برزت مؤخراً في تعبيرات ومفاهيم القادة الصهاينة في هذا الشأن أكثر صراحة مفادها أن الوجود الفلسطيني بأي شكل كان هو دحر وتفتيت للكيان الصهيوني، فالمعركة معركة بقاء، وإن التكتيك السياسي ومفردات السلام ليست سوى كسب للوقت، وبهذا يقول بيرتس محاولاً رمي جزرة سياسية " أي فلسطيني يعترف بدولة إسرائيل وبالاتفاقات الموقعة معها يمكن أن يكون شريكاً في المفاوضات مع إسرائيل حتى ولو كان الشريك هو حركة حماس"!! متناسياً بأن إسرائيل هي من ضرب بالاتفاقات عرض الحائط على الرغم من جحودها تجاه الحقوق الفلسطينية ومصرحاً بأنه يريد شريكاً في المفاوضات التي قد لا تنتهي حتى قرن من الزمان وهو ما تريده إسرائيل بالنتيجة المبتغاة التي تلخص بـ " زمن أطول، مفاوضات أصعب، تطور إسرائيلي أكثر، تحطيم وحصار أزلي للفلسطينيين، حسم المعركة الديموغرافية، إنهاء القضية الفلسطينية".

ذلك هو جوهر آليات التفكير الصهيوني في المرحلة المقبلة الطويلة المدى، فبماذا وكيف يفكر الفلسطينيون؟؟!

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019