المشروع العربى للعراق والمعادلة الإقليمية الجديدة/ د. محمد السعيد

الحديث الذى جاء على لسان جون كيرى رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكى فى محاضرته أمام مركز سابان للدراسات (معهد بروكنجز) وأكد فيه وجود تقارب عربى مع إسرائيل نتيجة للصعود الملموس للدور الإيرانى فى المنطقة فتح المجال أمام قادة "إسرائيل" للترويج لهذا التقارب وتوظيفه كورقة ضغط لإحباط مشروع الرئيس الأمريكى باراك أوباما بخصوص إقناع الإسرائيليين بخيار "حل الدولتين" باعتباره الخيار الأفضل لحل القضية الفلسطينية واحتواء النفوذ الإيرانى فى المنطقة.

الإسرائيليون الرافضون لخيار "حل الدولتين" حريصون على تحقيق أقصى استفادة من مقولة جون كيرى عن التقارب العربى – الإسرائيلى للترويج لوجود معادلة سياسية جديدة فى المنطقة تفرض تبديل أولوية الملفات بالنسبة للإدارة الأمريكية. هذه المعادلة الجديدة ترتكز على مقولة حدوث تغير جوهرى فى طبيعة الصراع الإقليمى من صراع عربى – إسرائيلى إلى صراع عربى – إيرانى، وصراع إسرائيلى – إيرانى بات يضع العرب وإسرائيل معاً فى جبهة تحالف واحدة ضد إيران باعتبارها المصدر الأساسى للتهديد، ولذلك فإن الأولى بالإدارة الأمريكية، وفق ما يقول الإسرائيليون إعطاء كل الأولوية للملف الإيرانى وخوض صراع شامل ضد إيران للقضاء على مصادر التهديد الإيرانية النووية والعسكرية والسياسية والأيديولوجية، وعندها لن تكون هناك حاجة إلى التركيز على الملف الفلسطينى.

ما يريده الإسرائيليون وفق هذا التصور هو العمل على تنحية الاهتمام الأمريكى لإيجاد حل عاجل للقضية الفلسطينية يغرى العرب بالانخراط فى الجهود الرامية إلى استئصال الخطر الإيرانى جانباً، واستبداله بانخراط أمريكى مباشر فى استئصال الخطر الإيرانى لأن العرب ليسوا فى حاجة إلى ما يغريهم الآن بالمشاركة فى الصراع ضد إيران لوجود مبررات عربية تفرض على العرب التعامل مع إيران كعدو بغض النظر عن قبول أو رفض إسرائيل تقديم تنازلات للفلسطينيين.

كيف يفهم العرب مغزى هذا النوع من التخطيط السياسى والاستراتيجى الإسرائيلى؟

فالواضح أن الإسرائيليين يريدون تعميق الخلافات الراهنة بين بعض الدول العربية وإيران لفرض واقع إقليمى جديد يوظفون فيه العرب لخدمة مصالح إسرائيلية دون تحقيق أى مكاسب عربية فعلية، وربما يروجون لمكاسب وهمية عربية إذا ما نجحوا فى فرض تصور جديد لمفهوم المصلحة العربية، يمكن أن يكون على شاكلة أن أى خسارة لإيران هى مكسب للعرب، لكنها فى واقع الأمر وحقيقته يمكن أن تكون خسارة فادحة للعرب بقدر ما هى خسارة لإيران.

المثال الواضح ضمن هذا التصور أن تنجح إسرائيل فى الترويج لمقولة أن منظمات المقاومة الفلسطينية هى منظمات إرهابية تابعة لإيران وأن تحصل على قبول عربى لمثل هذه الأكذوبة، وبعدها تتوجه إلى القضاء على هذه المنظمات وعندها تروج لحدوث خسائر إيرانية فادحة، ولكنها فى الواقع خسارة العرب قبل أن تكون خسارة إيران.

النموذج نفسه يمكن أن يتكرر فى العراق وأن تروج إسرائيل لصراع عربى – إيرانى فى العراق وأن يتورط العرب فى صراع فعلى مع إيران حول العراق فى ظل غيبة المشروع العربى الخاص بالعراق الذى يحدد أى عراق يريده العرب وكيف يمكن إعادة بناء هذا العراق، وما هى الأدوار التى يجب أن يقوم بها العرب من أجل ذلك؟.

فغيبة المشروع العربى الخاص بفلسطين منذ وصول مشروع السلام العربى إلى طريق مسدود فى ظل الرفض الإسرائيلى والدعم الأمريكى لهذا الرفض هو الذى يؤدى الآن إلى كل هذا العبث الإسرائيلى بكل ماله علاقة بالسلام وهو الذى مكن الإسرائيليين من امتلاك فرصة خلط المعانى وتبديل معادلات التحالف والصراع فى المنطقة والترويج لمقولة التقارب العربى– الإسرائيلى، والصراع العربى – الإيرانى.

انخراط العرب فى ما يمكن تسميته بـ "المستنقع العراقى" دون امتلاك مشروع عربى متفق عليه بخصوص العراق يمكن أن يؤدى فى نهاية المطاف إلى نتائج وخيمة على نحو ما هو موجود الآن بالنسبة للقضية الفلسطينية.

فأى بداية واعية وجادة لأى مشروع عربى فى العراق يجب أن تأخذ فى اعتبارها ما هى المشروعات الموجودة الآن فى العراق، وكيف يجب التعامل مع كل من هذه المشروعات بما يخدم المشروع العربى للعراق الذى نريده.

وإذا كان التركيز الرائج الآن أن الصراع الحقيقى الدائر فى العراق ينحصر فى المشروعين الأمريكى والإيرانى فإن الواقع يؤكد أن المشروع الإسرائيلى لا يقل نفوذاً عن المشروعين الآخرين، وأن المصالح الإسرائيلية فى العراق لا تقل خطورة عن مثيلاتها الأمريكية والإيرانية.

قد لا تكون معالم المشروع الإسرائيلى فى العراق واضحة لكن هناك العدديد من الوثائق الكاشفة والفاضحة لحقيقة الوجود والنفوذ الإسرائيلى فى العراق، وهو الوجود والنفوذ الذى أخذ ينعكس على أداء أطراف عراقية كثيرة كان أخرها ظهور قباد طالبانى نجل الرئيس العراقى جلال طالبانى يوم الاثنين الموافق الرابع من شهر يونيو الجارى فى المؤتمر السنوى للجنة العلاقات العامة الأمريكية – الإسرائيلية (أيباك) المنعقد فى العاصمة الأمريكية باعتباره ممثل حكومة إقليم كردستان العراق لدى الولايات المتحدة، وهو المؤتمر الذى يشهد أضخم تجمع داعم للكيان الصهيونى وحضره الرئيس الإسرائيلى شمعون بيريز وتضمن العديد من الحلقات النقاشية التى كان من أبرزها حلقة بعنوان "تحالفات المؤمنين: ما الذى يحرك المسيحيين الموالين لإسرائيل؟" وهى الحلقة التى ناقشت باستفاضة جذور ما يسمى بـ "المسيحية الصهيونية".

قد تكون مشاركة نجل الرئيس العراقى فى مؤتمر "أيباك" مجرد مشاركة رمزية، لكن هناك الكثير الذى له علاقة بالجوهر، ويمكن أن نشير هنا إلى بعض ما جاء على لسان آفى دختر وزير الأمن الداخلى الإسرائيلى (السابق) المعروف بـ "الشاباك" فى محاضرة شديدة الأهمية والخطورة فى سبتمبر الماضى يمكن أن نتحدث عنها بتفصيل أكثر فى مجال آخر، لكن ما جاء بخصوص الدور والنفوذ الإسرائيلى فى العراق يؤيكد مدى خطورة المشروع الإسرائيلى فى العراق.

دختر قال فى هذه المحاضرة عن العراق: "ليس بوسع أحد أن ينكر أننا حققنا الكثير من الأهداف على هذه الساحة بل وأكثر مما خططنا له وأعددنا". ويفسر ذلك ويقول ما نصه: "نحن لم نكن بعيدين عن التطورات فوق هذه الساحة (العراق) منذ عام 2003 (الغزو ثم الاحتلال الأمريكى للعراق). هدفنا الاستراتيجى مازال عدم السماح لهذا البلد أن يعود إلى ممارسة دور عربى وإقليمى لأننا نحن أول المتضررين"، ويضيف: "سيظل صراعنا على هذه الساحة فاعلاً طالما بقيت القوات الأمريكية توفر لنا مظلة وفرصة لكى نحبط أية سياقات لعودة العراق إلى سابق قوته ووحدته. نحن نستخدم كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسى والأمنى. نريد أن نخلق ضمانات وكوابح ليس فقط فى شمال العراق بل فى العاصمة بغداد. نحاول أن ننسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية حتى تبقى بالنسبة لنا ضمانة لبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية التى فى حالة حرب مع إسرائيل".

محاضرة آفى دختر تتضمن ما هو أخطر وأهم وهناك غيرها الكثير والكثير من الوثائق مما نعرفه وما لا نعرفه التى تؤكد جدية وخطورة المشروع الإسرائيلى فى العراق.

إذا كان الوضع الراهن فى العراق، فى ظل الحديث الجاد عن الانسحاب الأمريكى، يفرض عودة العرب إلى العراق، وإذا كانت هذه العودة يجب أن تكون ضمن مشروع عربى له رؤية عربية محددة للعراق فكيف سيكون هذا المشروع؟، السؤال نطرحه مجدداً بهدف الإجابة على السؤال المهم: هل سيكون هذا المشروع العربى ضمن المعادلة الإقليمية الجديدة التى تسعى إسرائيل لفرضها": التقارب العربى– الإسرائيلى، والصراع العربى – الإيرانى"، أم ضمن معادلة جديدة تقلب معادلة إسرائيل رأساً على عقب انطلاقاً من الوعى بالمأساة العربية الراهنة فى فلسطين ومن إدراك مخاطر المشروع الإسرائيلى فى العراق؟



المقالة نشرت في مايو أيار الماضي ونعيد نشرها لأهميتها