بداية صحوة القوة العارية أم تحايل على محدوديتها ؟!/ عوض عبد الفتاح

لم تنجح أبواق الدعاية الامريكية وحكومة الدمى العراقية في بث أجواء احتفالية على مرور عام على ما يسمى تسلم العراقيين للسلطة. فضربات المقاومة لا زال صوتها أعلى مما تقوم به حكومة الدمى والقوات الامريكية والبريطانية الغازية من ذبح وتقتيل وتخريب في هذا البلد العربي. حتى الانتخابات التي جرت في أوائل هذا العام، قبل خمسة أشهر، تحت أحذية الاحتلال تكاد تكون غير ذي بال، وربما نساها الناس هناك، اعتبرها الامريكان نصراً لأن معظم العراقيين ذهبوا إلى الانتخابات، وهم أي الامريكان في قرارة أنفسهم لم يكونوا راضين عن صعود قوى تساندها إيران التي اصبحت اكبر مساند اقليمي للحكومة العراقية الانتقالية. لكن الادارة الامريكية كانت بحاجة إلى اي شيء حتى ولو بدفع ثمن، تستُر به عورتها في العراق وتعرض نموذجاً ديمقراطياً شكلياً في بلد تحتله وتدوس على كرامته وسيادته. مرت أشهر عديدة بعد تشكيل الحكومة وفي الواجهة هناك عملية سياسية، لكن تديرها الادارة الامريكية. وهناك المزيد من التدهور في الوضع الأمنى، لا استقرار، ولا أمن، ولا إعمار، ولا عماله (شغل) ولهذا السبب يزداد التذمر بين الرأي العام الأمريكي من إخفاقات إدارة بوش. جاءت امريكا وفق خطة استراتيجية لتعزيز قبضتها على المنطقة والعالم تحت شعار البحث عن أسلحة الدمار الشامل ثم شعار نشر الديمقراطية، بعد إنفضاح الأكذوبة، والعراق هو احد محطات هذه الإستراتيجية، من أجل حماية اسرائيل ولتصفية قاعدة عربية هي في نظر امريكا ذات طاقة إستراتيجية في الصراع تساند النضال الفلسطيني والعربي الشعبي. فإذا بها الآن تريد أن تحلّ، ولو ظاهرياً، قضية فلسطين، لتخفف عنها عبء العراق.

في الايام الأخيرة لم يعد بمقدور اعضاء عصابة البيت الابيض، باستثناء رئيسهم المزهو بريشه، الاستمرار بالمكابرة،. كلهم يعترفون بوجود امريكا بمأزق كبير. وزير الدفاع الامريكي، رامسفيلد، الذي تقمص الآلة الصماء، آلة القتل، يعترف بقوة المقاومة وبإمكانية استمرارها لأثني عشر عاماً، ويعترف بوجود مفاوضات مع من يسميهم بالارهابيين. قائد القوات الامريكية المركزية، جوني ابو زيد يفنّد تصريح نائب الرئيس، ديك تشيني المهووس بالنفط، بأن المقاومة في النزع الأخير، قائلاً أن المقاومة تزداد شراسة. فهل نشهد بداية صحوة القوة العارية!!
إن العالم مذهول من هذا العجز الامريكي في مواجهة المقاومة العراقية، عجز أكبر قوة عسكرية على الارض عن السيطرة على الوضع. بعض العرب المرعوبين إنحنى قبل أن تصل قوات امريكا، ليس خوفاً على العراق بقدر ما هو خوف على كرسيه. البعض الاخر وجد نفسه متحمساً في اللحظات الاولى من الغزو منتظراً مقاومة شرسة من الجيش والشعب العراقي، يجد نفسه مؤخراً امام احتمال غزو خارجي، أو أصبح تحت حالة حصار وتهدده العزلة، وينحسر دوره الاقليمي، تحت ثقل وضعه الداخلي المتعثر. وهو مستهدف ليس بسبب وضعه الداخلي بل لأنه رافض للانضمام الى قاطرة المشروع الامريكي كما فعل غيره من العرب.

وهناك من ساند هذا الغزو وشجع عليه لتصفية الحساب مع حاكم العراق. هؤلاء إستهزأوا من القوى الرافضة والمقاومة، ولم يتوقعوا ان يتعثر المشروع الامريكي تحت ضرباتها.
ما هي النقطة الاهم في هذه الملاحظات. ليس الهدف. استعراض علامات التخبط الامريكي اطلاق شعارات رومانسية أو حماسية عن النضال وعن جدواه، استناداً الى نجاح المقاومة العراقية في حشر الوجود الامريكي في العراق في مأزق، ووضع علامات سؤال جدية على نجاح المشروع الامريكي في هذا البلد وغيره. هذا المشروع الذي التهم حتى الآن حياة عشرات الالاف من الشعب العراقي.

إن الوضع في العراق صعب جداً والشعب العراقي يعيش محنة حقيقية لن يخرج منها قبل مرور عقود. فما فعله الاحتلال، من تخريب مادي ونهب وتخريب اجتماعي وثقافي، وهو الأخطر، المتمثل في إعادة بعث الطائفية والمذهبية والاثنية وضرب عروبة العراق، يحتاج الى مدة زمنية طويلة لاصلاحه بعد أن تصل حكومة وطنية عربية وديمقراطية ومتحررة من التبعية للاجنبي الى الحكم. لكن غياب، أو عدم وضوح الرؤية لدى المقاومة العراقية والمشروع السياسي القائم على التحرير والمواطنة المتساوية والهوية الوطنية الجامعة والعربية الشاملة، تساهم من ناحية في إستمرار ضبابية الوضع بسبب التقتيل العشوائي الذي تقوم به بعض فصائله، إلى جانب مساهمتها في تعميق أزمة الحكم العراقي الانتقالي والوجود الامريكي العسكري والسياسي والمادي.

بالمجمل يمكن القول، أن أي نضال من أجل قضية عادلة له جدوى، والأهم انه ثبت أنه بإمكاننا كعرب، وكجزء من القوى الديمقراطية في العالم وانصار السلام والعدالة والرافضين للإستعمار والرأسمالية المتوحشة، مقاومة الغول الامريكي مهما بلغت شدة بطشه وبإمكاننا إجباره على التراجع. بعيداً عن التفاؤل، ليس واضحاً كيف ستكون عليه الأمور في الأفق المنظور، أي لمن ستبقى الغلبة. فالمعركة ضد المشروع الأمريكي لا تزال في بدايتها، وأصحابه لن يسلموا بالهزيمة بسهولة، وسيظلوا يتحايلون على محدودية القوة العارية وآلة القتل الرهيبة التي بحوزتهم والتي أصبحوا عبيداً لها وذلك بهدف إيجاد طريقة أقل كلفة للحفاظ على مصالحهم الإستعمارية.

ولكن الدرس الاساسي هو أن لا خيار امام الشعوب غير خيار النضال من أجل الحياة الحرة الكريمة. ولكن إذا كان للقوى الوطنية في العراق وفلسطين أن تتقدم على مسيرة الكفاح، تقدماً نوعياً وجدياً وأن تختصر الثمن الذي يدفعه الشعب. فلا بديل عن مراجعة كل التجارب العربية التي بدأت واستمرت بعد التحرير والإستقلال والتعرف على أسباب تعثرها بل فشلها.

وهناك من الوطنيين والديمقراطيين العراقيين والعرب من يطالب بوضع مشروع سياسي واضح قومي وديمقراطي وبإعادة تنظيم وصياغة اساليب واستراتيجية النضال تقوم على اكتساب تأييد الشعب اولاً ومن ثم اكتساب كل القوى الصديقة والمساندة لنضال الشعوب العادل.