حالة الاحتلال: ما قبل الفاشية الإسرائيلية حتى ما بعد التهجير../ زهير اندراوس

قبل حوالي 80 عاماً نشر الشاعر المهجري، نسيب عريضة، قصيدة نعى فيها الشعوب العربية، ومما جاء في القصيدة: كفِّنوه/ وادفنوه!/ اسكنوه/ هوة اللحد العميق/ واذهبوا، لا تندبوه، فهو شعب/ ميت ليس يفيق. واليوم أكثر من أيّ وقت مضى نرى أنّ الشاعر العربي كان صادقاً جداً في توصيفه للأمة العربية المصابة بداء السبات العضلي، الذي يبدو مستحيلاً أن تتمكن التعافي منه، ونحن على أمل أن لا تصاب الأقلية القومية العربية الفلسطينية في مناطق الـ48 بهذه العدوى في ظل تصاعد العنصرية الإسرائيلية، التي باتت مستفحلة لدى "الشعب الجالس في صهيون" وحكامه. ولكن قبل الخوض في سبر أغوار هذه الظاهرة الفريدة من نوعها في العالم، علينا الإقرار بأنّ الشعوب العربية تعيش تحت كنف أنظمة عربية أدمنت على قمع الشعوب ومصادرة حريتها، في حين نحن نعيش حالة احتلال غير شرعي من قبل حكومة مغرورة ومنتفخة حصلت على شرعيتها من السواد الأعظم من الإسرائيليين اليهود، فالاحتلال لا يكمن فقط في سيطرة شعب معين على أراضي الشعب الآخر، بل باعتقادنا المتواضع جداً هناك العديد من الدلائل والمؤشرات التي يمكن إدخالها في إطار ما يُمكن تسميته بـمكونات الاحتلال الإسرائيلي للأقلية العربية الأصلية، التي كانت هنا قبلهم، وهذا ما يؤكده العديد من المؤرخين المحايدين وليس أشباه المؤرخين الصهاينة، الذين يعملون على مدار الساعة لتزوير التاريخ وتزييف الحقائق.

حالة الاحتلال هذه هي المقدمة الأولى لمسألة الترانسفير الذي يُخطط له أقطاب دولة الاحتلال، وأيضاً هذه الحالة هي مرحلية، بمعنى أنّها حالة زمنية قبل أن تتحول الدولة العبرية رسمياً إلى دولة فاشية، يُصبح فيها العربي الفلسطيني مهدداً بشكل جدي بالتهجير ألقسري من بلاده وأرضه.

وفي هذا السياق علينا أن نتذكر دائماً وأبداً أن الحركة الصهيونية هي حركة كولونيالية عنصرية قامت على أساس مبدأ الكذب والدجل بأنّ فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وحصلت على وعد بلفور المشؤوم في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1917، وهو الوعد الذي منحه من لا يملك، وزير الخارجية البريطاني في ذلك العام، لمن لا يستحق، الصهاينة. والصراع التاريخي بيننا، أي الأمة العربية، وبينهم، أي الحركة الصهيونية، كان وما زال وسيبقى صراعاً على الأرض، وكل الأحاديث الإسرائيلية عن رغبة حكام هذه الدولة بالتوصل إلى سلام مع "الجيران" العرب، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني، ما هي إلا أقوال كاذبة ومعدة للاستهلاك المحلي والعربي والدولي، فالتاريخ علّمنا أنّه من المستحيل التوصل إلى سلام أو حتى إنهاء حالة اللا حرب واللا سلام، إذا جاز التعبير، مع حركة استعمارية، فالاستعمار هو ظاهرة تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة، من أجل استغلال خيراتها في جميع المجالات وأولها الاقتصادية، وهي بالتالي سلب ونهب لثروات البلاد المستعمرة (بفتح الراء)، وفضلاً عن ذلك تحطيم كرامة الشعوب المستعمرة (بفتح الراء) وتدمير تراثها الحضاري و الثقافي.

وعلى الرغم من أنّ الفلسطينيين في إسرائيل هم ليسوا دولة، إنّما أقلية قومية على الرغم من أنف حكام تل أبيب، فإنّ السلطات الإسرائيلية تُطبّق النظام الاستعماري ضدنا في جميع المجالات الحياتية، فهي مسيطرة علينا، لأنّها القوية وتملك الصلاحيات غير المحدودة، ولا ننسى في هذه العجّالة التذكير بأنّه منذ إقامة الدولة العبرية على أنقاض شعبنا العربي الفلسطيني في العام 1948 وحتى العام 1966 كان العرب في مناطق الـ48 يعيشون تحت نظام الحكم العسكري المقيت والبغيض، وبالتالي، ما الذي يمنع هذه الدولة المعربدة على منطقة الشرق الأوسط برمته، من أن تعود على بدء وتفرض علينا الحكم العسكري بحيث نتحول إلى سكان في غيتوات ننتظر الفرمانات من الحاكم العسكري لكي نتنقل من مكان إلى آخر في وطننا.

مضافاً إلى ذلك، علينا الانتباه والتنبيه إلى مشروع قانون وزير الداخلية الإسرائيلي، إيلي يشاي، والذي يمنحه الصلاحية لسحب الجنسيات من أي مواطن إسرائيلي، ولا توجد حاجة بالمرة للتفسير بأنّ هذا القانون مفصّل على مقاييس عرب الداخل، وللتدليل على ذلك، يكفينا الإشارة هنا إلى أنّ الوزير نفسه قد بدأ بفحص إمكانية سحب الجنسيات من أربعة مواطنين عرب لأسباب "أمنية"! ونجد من الأهمية بمكان أن نعود ونًكرر للمرة الألف أنّ إسرائيل هي مخابرات تملك دولة وليست دولة تملك مخابرات، فباسم الأمن تُرتكب الجرائم وتُخرق القوانين وما إلى ذلك من ممارسات لا تمت بصلة إلى ما تبقى من شراذم الديمقراطية الإسرائيلية المزعومة.

أما بالنسبة للاقتصاد فحدّت ولا حرج. الفلسطينيون في إسرائيل هم شريحة ضعيفة جداً من الناحية الاقتصادية باعتراف من لجنة الإحصاء المركزي ونسبة الفقراء من بينهم تصل إلى حوالي خمسين بالمائة، ناهيك عن عدد الأطفال العرب الذين يعيشون تحت خط الفقر. وبما أنّ الأزمة الاقتصادية العالمية ألقت بظلالها على إسرائيل أيضاً، فإنّ صنّاع القرار في تل أبيب يستغلون هذه الأزمة كرافعة لتضييق الحيّز أكثر على فلسطينيي الداخل.

ولنُفكر جيداً: متى سمعتم عن إقامة مصنع في قرية أو بلدة أو مدينة عربية؟ لماذا أول عشرين بلدة منكوبة بالبطالة، وفق دائرة الإحصاء المركزي، هي دائماً عربية؟ هل العرب لا يريدون العمل؟ أم أنّ السلطات تضع العراقيل أمامنا لعدم استيعابنا في سوق العمالة؟ هل سمعتم يوم الثلاثاء من هذا الأسبوع التحذير الذي أطلقه رئيس لجنة رؤساء السلطات المحلية بأنّ السلطات العربية على شفا الهاوية، مشيراً إلى أنّه إذا واصلت الحكومة سياستها العنصرية ضد السلطات العربية فإنّ الحل سيكون حلّ السلطات المحلية واستجلاب لجان معينة لإدارة شؤوننا، هذه الأمور وأمور أخرى لا تدور في فراغ ولا تأتي من فراغ، بل هي نتاج سياسة مبرمجة جيداً من قبل "واحة الديمقراطية" للتضييق أكثر وأكثر علينا لنعيش على الفتات أو نتحول إلى متسولين مع وقف التنفيذ.

أما فيما يتعلق بتحطيم كرامتنا فالأمثلة على هذا الأمر لا تًعد ولا تحصى، حتى العمل في حانوت ملابس بات مشروطاً بالخدمة العسكرية، في المطارات يقومون بإذلالنا على مرأى ومسمع الجميع، في محطات القطار نخضع للتفتيش الدقيق لكوننا عرباً ليس إلا. الشرطة تقوم بقتلنا عن سبق الإصرار والترصد، والنيابة العامة ترفض تقديم الجناة إلى المحاكمة. أي أنّ هناك تنسيقاً بين السلطات المختلفة بموجبه قتل العربي بنيران قوات الأمن الإسرائيلية يجب أن يمر دون عقاب، لكي يتعلم العرب في هذه الديار. هكذا يفكرون في المؤسسة الحاكمة، بأنّه من المحرم عليهم حتى الدفاع عن أنفسهم. كم عربياً تمّ إعدامهم من قبل الشرطة الإسرائيلية بعد إعدام الـ13 شهيداً في هبة القدس والأقصى عام 2000؟ ونميل إلى الترجيح بأنّ المحاكم الإسرائيلية باتت رهينة العنصرية المتفشية، وتتواطأ مع النيابة لإخراج المتهم بقتل العربي كالشعرة من العجينة، كما يقول مثلنا العامي.

والنقطة الأخيرة التي نرى لزاماً على أنفسنا أن نضعها في سياقها الطبيعي هي قضية تدمير تراثنا الحضاري والثقافي، فإسرائيل تعمل كل ما في وسعها للتفريق بين أبناء الشعب الواحد، تحاول تقسيمنا إلى طوائف ومذاهب وحمائل، وتعمل منذ إقامتها على سلخ العرب الدروز عن العرب، هذا من ناحية، من ناحية أخرى هل تعلمون أنّه منذ العام 1948 قامت إسرائيل بهدم حوالي ألفي مسجد في مناطق الـ48، وما زالت المؤسسة الحاكمة تنتهك المقدسات الإسلامية والمسيحية بوتيرة عالية على الرغم من أعمال الاحتجاج التي نُنّظمها ضدّ هذه الممارسات الخبيثة.

واللغة العربية هي من مكونات حضارتنا في هذه الديار، والملاحظ أنّ إسرائيل بطرق مباشرة أو التفافية تحاول تدمير اللغة العربية في المدارس وفي الجامعات وفي كل مكان، وعلى الرغم من أنّ القانون الإسرائيلي يقول بشكل واضح وصريح إنّ اللغة العربية هي لغة رسمية في الدولة العبرية، فإنّ شركة الكهرباء على سبيل الذكر لا الحصر، التي ندفع لها مئات ملايين الشواقل، ترفض تشغيل العرب حتى في قسم الاستعلامات وتنشر إعلانات باللغة العبرية بأنّها بحاجة إلى موظفين وموظفات لهذا القسم، شريطة أن يكون المتقدم أو المتقدمة للعمل قد أنهى أو أنهت الخدمة العسكرية، تخيّلوا أنّ مسناً عربياً لا يجيد العبرية، ماذا سيفعل عندما ينقطع عنه التيار الكهربائي، مع من يتكلم وهو لا يجيد اللغة العبرية؟ وما العلاقة بين الاستعلامات والأمن؟.

كنّا نريد أن نكون متفائلين بعض الشيء، ولكنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية أبلغت المعنيين بالأمر، أي الفلسطينيين في الدولة العبرية، بأنّ المواجهة قادمة لا محال بينها وبين "مواطنيها" العرب، وإذا اندلعت المواجهة هذه المرّة، لا سمح الله، فإنّ مجازر العام 1948 التي نفذتها العصابات الصهيونية ستكون مجازر لايت، مقارنة مع ما سترتكبه إسرائيل ضدنا.