زيارة أولمرت: اتفاق على تحسين شروط التمويه/ عوض عبد الفتاح

تصفيق حار بين الفينة والأخرى، قيام وقعود وصمت وخشوع. هذا ما كان في الكونغرس الأمريكي أثناء إلقاء رئيس حكومة إسرائيل إيهود أولمرت لخطابه المعد سلفاً والذي تدرب عليه وقرأه ثلاثون مرة حسب الصحف الإسرائيلية!

كل هذه الصورة لا تجسد العلاقة الإستراتيجية فحسب بل أيضاً العلاقة الحميمية بين النظام السياسي الأمريكي بكافة فروعه، وإسرائيل. في اليوم ذاته، يوم الأربعاء 24 أيار، تدخل قوات الإحتلال الإسرائيلي الى مدينة رام الله لاعتقال أحد قادة الجهاد الإسلامي، محمد الشوبكي، وتشتبك مع المدنيين الفلسطينيين العُزّل وتقتل أربعة من أهل المدينة وتجرح العشرات وتسيل الدماء في الشوارع. في الوقت ذاته تحصل أمور خطيرة يومياً تهدف الى تكريس واقع الظلم. بناء جدار العنصري الفاصل مستمر، تقطيع اراضي الضفة الغربية تمهيداً لتنفيذ خطة الإنطواء والتجميع على قدم وساق. الإغتيال بقصف الطائرات أو القتل بقذائف المدفعية والرشاشات لا يتوقف.

الصورة تبدو كما كانت دائماً. طرفان في الصراع، معتد ومعتدى عليه، ولكن اللعب من طرف واحد. ليس دائما بالطبع ولكن حتى اللحظة يصوغ المعتدي، الذي توج نصره قبل حوالي ستة عقود بإقامة كيانه السياسي، المشهد الحالي. ينجح المعتدى عليه، من حين إلى آخر، في خربطة حسابات المعتدي. لكن هذا الأخير لا يتراجع بالمفهوم الجوهري ولكنه يزداد شراسة ليعود لينفذ رغباته بطريقة التفافية؛ ولكنها واضحة كوضوح الشمس. مرة يختار لتراجعاته التكتيكية عنواناً كالإنفصال وفي حين آخر، التجميع أو الإنطواء.

يمكن النظر الى واقع قطاع غزة حتى نعرف عواقب هذه الخطوات؛ تحوّل القطاع الى سجن كبير كما توقع أصحاب الرؤية الصحيحة. وفي داخل القطاع يكاد الصراع يستعر حول سلطة وهمية، ويكاد بعض المتصارعين ينسون أن الشعب الفلسطيني لا يزال في مرحلة تحرر وطني، فنحن لم نحرر أرضاً حتى الآن بالمفهوم المتعارف عليه. لا يزال القطاع محاصراً، فعلياً واقتصادياً وحكومته معزولة سياسياً ولا تزال أجواؤه غير حرة وشواطئه كذلك. إنه بانتوستان.

بطبيعة الحال لا تتحمل حكومة حماس وحدها المسؤولية عن هذا الوضع. هي ساهمت في تعجيل إخلاء المستوطنات بفعل ميزان الرعب الذي خلقته مع إسرائيل، ولكن النضال والصراع لا يدار بهذا الشكل.

أما أصحاب مبدأ المفاوضات، وفقط المفاوضات، والذين فازوا برئاسة السلطة فإنهم يتحملون القسط الأكبر. ولكن الحل لا يتم عبر القيام، نيابة عن إسرائيل، بممارسة الضغط لإنتزاع اعتراف من حركة حماس باسرائيل حتى دون مقابل أو ضمان مسبق لتحقيق الحد الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني. بل إن ذلك إمعان في المضيّ الى النفق المظلم.

هكذا ينشغل الفلسطينيون بخلافاتهم الداخلية، ويستقيل العرب من دورهم ومن واجبهم القومي. ولكنهم لا يستقيلون من المهمة الموكلة امريكياً لهم الا وهي المساهمة في عزل حكومة حماس أو كل من يُمثل وجه المقاومة والرفض. في الوقت ذاته تواصل اسرائيل بنجاح تعبئة المجتمع الدولي بخطتها، خطة التجميع، حيث يلقى إيهود أولمرت الحفاوة البالغة ويقنع الرئيس الأمريكي، بخطته، وتصبح خطة "شجاعة" بعد أن كانت خطة "تستحق الإهتمام".

لم تحتج عملية إقناع بوش "بشجاعة الخطة" الى بطولة ولا الى عمل هائل، فالعلاقة بين أمريكا وإسرائيل هي استراتيجية واللوبي الصهيوني القوي له التأثير الهائل على عملية صنع القرار داخل الدوائر الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعراق وغيرها. ولكن هذا يتعزز بواسطة الضعف والتواطؤ العربي.

لقد اتفق بوش وأولمرت على أمرين اثنين على ألا تتعارض خطة التجميع مع رؤية بوش للدولة الفلسطينية وأن لا تنفذ قبل استنفاذ المفاوضات مع الفلسطينيين وبالتحديد مع رئيس السلطة الفلسطينية. أي أن الإدارة الأمريكية تطلب وقتاً كافياً لتنتهي الفكرة المتداولة حالياً دولياً، خطة خارطة الطريق، كما اختفت أفكار ومبادرات دولية كثيرة سابقة، بعدها يصبح التعامل مع خطة أولمرت مبرراً وشرعياً. ما معناه تحسين شروط التضليل والخداع لتفادي متاعب جديدة حيال ورطة أمريكا في العراق.

بطبيعة الحال يعرف أولمرت أن خطته لن تجد من الفلسطينيين، مهما كانت درجة اعتداله، من يؤيدها. فهي تعني بوضوح تام تكريس احتلال معظم الضفة الغربية وإقامة حدود دائمة لاسرائيل كبديل عن إعادة الأراضي الفلسطينية وفقاً لقوانين الشرعية الدولية - باختصار تصفية القضية الفلسطينية بجميع عنصارها وفي مقدمتها حق اللاجئين بالعودة.

معطيات الواقع الدولي، ومعطيات الواقع الإسرائيل تقول أنه لا يوجد أفق لحل عادل في هذه المرحلة. وهذا الأمر يتطلب من النظام السياسي الفلسطيني، حكومة ومعارضة وفصائل، جواباً استراتيجياً، أو معادلة سياسية واقعية ووطنية تُسيّر الأمور اليومية، وتمكن الشعب من الصمود وبدون الوقوع في مطبّات الحلول الجزئية أو المرحلية الخطيرة. الكثيرون من أبناء شعبنا في كل مكان، الضفة والقطاع، وفي الشتات، وفي داخل الخط الأخضر يـأملون أن يكون مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني الذي بدأ أمس في رام الله، ويستمر اليوم في غزة، بداية حقيقية لمرحلة جديدة ونوعية في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية تعيد الصورة الحقيقية لشعبنا، صورة الشعب المناضل من أجل تحرير وطنه الى العالم، والى الوطن العربي باعتباره جزء من الأمة العربية يدافع عن وجوده ويصدّ تغلغل النفوذ الصهيوني في الوطن العربي عبر إعادة بعث الوعي القومي والإرتباط بالقضية الفلسطينية والنضال ضد الإمبريالية.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019