طهران ـ واشنطن: ردع متقابل../ محمد صادق الحسيني**

الشائع في تعريف السياسة أنها «فن الممكن»، والشائع في تعريف الحرب انها «استمرار للسياسة»، لكنه ومنذ قيام المحافظين الجدد في أميركا باختطاف قرار صناعة السياسة وتالياً الحرب من سياقه الأميركي المتعارف، وتالياً اختطاف صناعة القرار الدولي العام، فقد أصبحت السياسة فن «التمكن من الآخرين» والحرب هي الخطوة الأولى والأساسية في صناعة السياسة.

غير أن هذا الأمر لم يدم طويلاً للمحافظين الجدد، فما أن ارتكبوا خطأي غزو أفغانستان والعراق الاستراتيجيين وغرقوا في مستنقعي البلدين، حتى بدأت علائم ظهور ممانعة ومقاومة إسلامية ـ عربية تتجه لأن تصبح دولية للسياسة الأميركية الجديدة الخارجة عن الأعراف الدولية السابقة لها.

قد يكون الإيرانيون من أوائل الذين انتبهوا مبكراً ل«خطورة» الوقوع في «فخ» المواجهة الشاملة والتي كان يراد لها أن تحدد السياسات الممكنة فيما بعد، لذلك تراهم اختاروا ومبكراً جداً سياسة مضادة للمنهج الأميركي الجديد، أي سياسة تجنب المواجهة الشاملة مع اعتماد سياسة تمكن الأمر الواقع من الصمود أطول فترة ممكنة.

وهي ما سبق أن وصفتها في مقالات سابقة بدبلوماسية حياكة السجاد، أي استخدام النفس الطويل في المفاوضات وتحمل معاناة «المداراة» الاجبارية مع عدم كشف الفن الخاص أو الإبداع الخاص أو «العرض» إلا عند اقتراب «اللوحة الفنية» من نهاياتها.

هكذا تعاملوا مع ملفي أفغانستان وملف العراق الذي عنى لهم الكثير ولا يزال ودفعوا وربما سيدفعون أثمانا باهظة، إضافية دفعاً لثمن المواجهة الشاملة، وها هم اليوم يمارسون السياسة عينها بخصوص الملف النووي.

مهما قيل أو سيقال عن اجتماع «الفرصة الأخيرة» بين سولانا ولاريجاني فإن الاعتقاد السائد لدى المختصين بهذا الشأن والمتابعين بتعمق لما يجري من حول هذا الملف هو أنه لن يكون هناك «فرصة أخيرة» في هذا السياق، ولن يكون هناك «اجتماع أخير» يتلوه القبول أو الرفض من هذا الجانب أو ذاك، بل إن الملف سيظل على حاله مفتوحاً من دون حلول نهائية قاطعة وحازمة، والسبب ببساطة أن السياسة التي تنتهجها واشنطن.

وهي القابضة والمهيمنة على ما بات يعرف ب«القرار الدولي» لا تريد من ورائها حلاً نهائياً، وإن أرادت تحت الضغط فإنها لا تريده إلا عسكرياً حسب نهج المحافظين الجدد، وبالمقابل فإن السياسة الإيرانية المضادة لما تعتبره طهران تعسفاً بحقها وسلباً لحقوقها المشروعة، لن تجعل أي قرار أميركي بحقها يمكن أن تفكر واشنطن باللجوء إليه، ممكن التنفيذ على الإطلاق.

كيف ذلك؟ من خلال كل الوسائل الدبلوماسية والسياسية والمواجهات الجزئية الممكنة والمتاحة لجعل واشنطن «أسيرة» سياسة «المداراة» الإيرانية من جهة، وتحصين الذات بقوى ردعية كافية تجعل أي مواجهة شاملة تفكر بها واشنطن مع طهران باهظة الثمن جداً ومكلفة وعلى حساب منهجها الجديد المتبع مع الأزمات الأخرى الإقليمية والدولية.

ليست طهران وحدها بالطبع هي مالكة الساحة والخيار في هذا السياق، فالصين وهي صاحبة الاقتدار الردعي الأول في العالم تجاه واشنطن والتي يعود إليها سبق سياسة تجنب المواجهة الشاملة مع «الخصم الإمبريالي» حتى قبل مجيء المحافظين الجدد، إنما ترى مصلحتها الوطنية العليا.

وكذلك مصلحة العالم في منع حصول أية مواجهة شاملة بين واشنطن وطهران، وبالتالي فهي تقف عملياً إلى جانب إيران رغم كل «المدارات» الدبلوماسية لواشنطن ورغم كل الكلام «البروتوكولي» العظيم حول «اجماع المجتمع الدولي» حول ملف طهران النووي.

كذلك روسيا، فإنها أبعد ما تكون عن منهج تشجيع المواجهة مع طهران، فضلاً عن حرصها الخاص ربما على إبقاء الأزمة «مفتوحة» حتى تقبض «الثمن» بالاتجاهين ومن الطرفين.

وأما الأوروبي الحائر والضائع والبائس والخاسر الأكبر في هذه اللعبة أينما اتجهت رياحها فإنه لا يعرف إلا جمع «فتات» المائدة في كل مرحلة من مراحل الانفراج أو التصعيد على أمل أن يتم اشراكه في سهم كبير من «الكعكة» فيما لو نجحت «صفقة المحفزات» التي هي رهانه الوحيد، فضلاً عن كونه غير موحد في مواجهة أي تحولات أو تغييرات فجائية طارئة.

وبذلك تكون طهران قد خلقت أجواء «ردع متقابل» في السياسة و«توازن رعب» في الحرب.

لا أحد، يستطيع بالطبع «ضمان» نجاح دائم لهذه السياسة، لكن القدر المتيقن حتى الآن هو أن الأثمان الباهظة التي تدفعها طهران نتيجة لهذه السياسة إن معنوياً وإن مادياً هي أقل بكثير من خيار «المواجهة الشاملة» بأي ثمن كان.

نعم ثمة خيار آخر، وهو أن تقرر طهران «الانخراط» في اللعبة الدولية التي تمسك واشنطن بكافة تلابيبها، من خلال اعتماد سياسة «المداراة» الشاملة والدائمة إلى حين انفراج الوضع الدولي العام، غير أن ذلك يتطلب تأجيل الكثير من المشاريع الكبرى واعتماد سياسة وطنية محلية قطرية مختلفة تماماً.

وهو أمر يتطلب تعديلاً جديداً في القانون الأساسي الإيراني وليس في السياسة الخارجية فقط، ومثل هذا الأمر حتى لو اختارته طهران طوعاً فإنه لم يعد مضموناً من حيث النتائج والأهداف المرجوة قومياً، مع افتراض التخلي عن النهج الإسلامي الثوري، لاسيما في وقت تتجه فيه «الامبراطورية» الأوحد في العالم إلى مزيد من التفتيت والتفكيك للأمم والشعوب والبلدان الكبرى في إطار الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الموسع ودائماً عبر نهج الفوضى البناءة.


** كاتب إيراني