ظاهرة تشافيز: حركة عابرة أم تحول في أميركا اللاتينية؟ /عامر راشد*

في الرابع من شباط (فبراير) 1992 وقف الضابط الفنزويلي الأسمر المقدم هوغو تشافيز أمام عدسات الكاميرات، ليعلن فشل الانقلاب الذي قاده، ويدعو مؤيديه لإلقاء السلاح حقناً للدماء، لم يكن خطاب استسلام، بل خطاب تحد، أكد فيه ان التحرك مستمر من أجل اسقاط الطغمة اليمينية الحاكمة، ما جعل السلطات الفنزويلية آنذاك تندم على طلبها منه توجيه هذا النداء. وبعد ثلاث سنوات ونصف سنة قضاها في السجن، خرج تشافيز ليبدأ تحضير نفسه لسباق الرئاسة سنة 1998، وبالفعل استطاع أن يحقق النصر على ثلاثة عشر منافساً، حاصداً 54 في المئة من اصوات الناخبين، بكسبه أصوات أبناء الطبقات الفقيرة والمهمشة، الذين يشكلون 80 في المئة من شعب بلد غني بالنفط والحديد والذهب والالومنيوم، وجرى ذلك بعد أحد عشر عاماً من قمع السلطات الفنزويلية للتحركات الجماهيرية احتجاجاً على الفقر والبطالة والغلاء والنهب المنظم وسطوة الاحتكارات الأجنبية، والتي سقط فيها ثلاثة آلاف قتيل وآلاف الجرحى من ساكني أحياء كاراكاس الفقيرة، وكانت الدافع وراء انقلاب 1992 الذي رفع شعاري السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.

انها دراما اميركية لاتينية بامتياز، أوصلت تشافيز الى رئاسة فنزويلا، ومن بعده العامل البسيط لولا دا سيلفا الى رئاسة البرازيل، والهندي الأحمر ايفو موراليس الى رئاسة بوليفيا، دراما تؤشر الى تحولات عميقة تعيشها المجتمعات الأميركية اللاتينية، بتوجه واسع نحو اليسار، طال ايضاً كلا من الارجنتين والسلفادور وتشيلي والمكسيك والعديد من الدول الأخرى، وهو ما بات يبعث خوفاً حقيقياً عند أركان ادارة الرئيس جورج بوش الابن، الذي طالما تعامل أسلافه مع دول اميركا اللاتينية كمجرد حديقة خلفية للبيت الأبيض، لا يمكن أن تشب عن طوق بيت الطاعة الأميركي.

قبل الدخول في خصوصية الظاهرة التشافيزية من الضروري الاشارة الى ان دول اميركا اللاتينية مرشحة موضوعياً لاستمرار تنامي حركات قوى اليسار بحكم عاملين رئيسيين: العامل الأول شعوب هذه الدول متحررة من عقدة الموروث السلفي، كونها حديثة التكوين نسبياً، والموروث السلفي في دول العالم الثالث غالباً ما يوظف في مواجهة الفكر الديموقراطي اليساري، وأكبر مثال على ذلك الدول العربية والاسلامية. والعامل الثاني بحكم ظروف نشأتها وتكوينها لم تعرف المجتمعات الاميركية اللاتينية صراعات من منطلقات اثنية أو دينية أو مذهبية، بل عرفت صراعاً تحررياً واجتماعياً طبقياً، وهذا صب في صالح الحركات الديموقراطية واليسارية، يضاف الى ذلك ارتباط القوى اليمينية الاميركية اللاتينية بالطغمة المالية في الولايات المتحدة، المسؤولة تاريخياً عن إفقار شعوب هذه الدول بالنهب المستمر والمنظم، ودعم أنظمة الحكم الديكتاتورية العسكرية، المتهمة بالفساد وارتكاب مذابح مروعة. مع ملاحظة انه رغم كل عهود القمع والديكتاتورية التي مرت بها غالبية دول اميركا اللاتينية، الا ان دساتير هذه الدول حافظت على قواعد فصل الدين عن الدولة، وعلى هامش ديموقراطي واسع، شكل سلاحاً ماضياً في النضال ضد الديكتاتوريات العسكرية.

منذ انتخابه رئيساً لفنزويلا مر الرئيس تشافيز بالعديد من الامتحانات الصعبة، أخطرها انقلاب 11 نيسان (ابريل) 2002، الذي استمر لمدة 48 ساعة، وأسقطته الجماهير الشعبية الفنزويلية، التي حاصرت الانقلابيين في القصر الرئاسي ومعسكرات الجيش ومنعتهم من التحرك، وأعادت تشافيز الى سدة الرئاسة. كما جرت في عهد تشافيز خمسة انتخابات واستفتاءات حاسمة بحضور مراقبين دوليين من الاتحاد الأوروبي، ومؤسسة كارتر الأميركية، والاتحاد الأوروبي. فبعد انتخابه أجرى تشافيز في شباط 1999 استفتاء على تغير الدستور، نجح بنسبة 68 في المئة، بعدها بستة أشهر تم انتخاب جمعية تأسيسية أكملت صوغ الدستور الجديد، وتم طرحه على الاستفتاء وفاز بما نسبته 80 في المئة، وبعدها ألغى كل السلطات المحلية المنتخبة، ليعاد انتخابها على أساس الدستور الجديد، وفي العام 2000 دعا الى انتخابات رئاسية مبكرة، وفاز فيها بأكثر من 60 في المئة، لكن أحزاب اليمين لم تعترف بنتيجة هذه الانتخابات على رغم تقارير المراقبين الدوليين الذين أشادوا بنزاهتها، وفي العام 2003 وحسب ما ينص عليه الدستور قام تحالف اليمين بتجميع ما يلزم من الأصوات بغية اسقاط تشافيز من خلال الاستفتاء على استكماله لولايته الرئاسية، وعلى رغم الشكوك التي حامت حول صحة التوقيعات، قبل تشافيز اجراء الاستفتاء، وتم في الخامس عشر من آب (اغسطس) 2004، وفاز فيه تشافيز بـ56 في المئة، ومرة ثانية لم تسلم غالبية تيار اليمين بالخسارة، على رغم الشهادات الدولية بنزاهة عمليات الاقتراع. فكان ان أعلن الاضراب الكبير في قطاع النفط، ونتجت عن ذلك خسارة فاقت العشرة بلايين دولار اميركي، لكن تشافيز لم يضيع الوقت، وانتهز الفرصة، وقام باحضار خبراء من الجزائر والهند، أعادوا تشغيل القطاع النفطي، وأصدر قراراً بفصل كل العمال والتقنيين الذين رفضوا العودة الى العمل. وهكذا استطاع عملياً وضع يده على قطاع النفط، بعد ان كانت الحكومة الفنزويلية لسنوات طويلة لا تعرف بدقة الكميات المصدرة من النفط ولا العائدات أو الأرباح. وترافق ذلك مع الطفرة العالمية في أسعار النفط، وهو ما عاد على الخزينة الفنزويلية بموارد ضخمة، استطاعت أن توظفها في برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، لإعادة هيكلة الاقتصاد واصلاح القطاع العام واعادة بناء القوات المسلحة وأجهزة الأمن، ودعم قطاعي التعليم والصحة.

رغم كل ما سبق لا يمكن القول ان التشافيزية ثبتت نفسها بشكل نهائي في فنزويلا، لأسباب عدة يمكن ان نلخصها بالتالي:

1- حزب الجمهورية البوليفارية الخامسة الحاكم حديث التكوين، وبدأ تأسيسه بعد انتخاب تشافيز 1998، وهو خليط من التكوينات الطبقية والفكرية والايديولوجية، لذلك تبقى قوى الدفع الرئيسية لهذا الحزب حتى الآن الشخصية الكاريزمية للرئيس هوغو تشافيز.

2- الفساد الواسع الذي يعاني منه القطاع العام، وتحول الفساد والإثراء غير المشروع الى ظاهرة اجتماعية عامة تضرب عصب المجتمع الفنزويلي وثقافته.

3- طبيعة تكوين مؤسستي الجيش والأمن العام، يضعهما في دائرة الشك لجهة ولائهما للرئيس تشافيز.

4- فساد الجهاز القضائي، وأجهزة الأمن.

5- القوة الكبيرة التي تتمتع بها مافيات المال الريعي، والجريمة المنظمة.

6- قوة التيار اليميني في المحافظات النفطية الغنية بمناجم الذهب والحديد والالومنيوم، واليمين ما زال يسيطر على الفعاليات الاقتصادية الرئيسية. ووسائل الاعلام الرئيسية مملوكة لجهات مرتبطة بالحركة الصهيونية.

7- المؤامرات التي تحيكها واشنطن ضد نظام الرئيس تشافيز، وهي الأخطر.

بالمقابل هناك نقاط قوة يتمتع بها نظام حكم تشافيز:

1- فنزويلا بلد غني بالثروات.

2- هي بلد قاري من الصعب حصاره كما هو حال جزيرة كوبا.

3- تشافيز يحظى بمصداقية عالية لدى غالبية أبناء الشعب الفنزويلي، وله جماهيرية واسعة خارج حدود فنزويلا.

4- استطاع تشافيز ان يقطع أشواطاً مهمة على طريق مكافحة الفقر، ودعم قطاعي التعليم والصحة، وإعادة هيكلة الاقتصاد والقطاع العام.

5- استطاع تشافيز ان ينسج شبكة علاقات مع غالبية الدول الاميركية اللاتينية التي تشكل حزام أمان لفنزويلا، اقتصادياً وسياسياً، ومد هذه العلاقات الى آسيا وافريقيا وأوروبا.

في مسعاه لبناء سياسة اقتصادية مستقلة، شرط قيام تنمية مستدامة، كان لابد ان يصطدم تشافيز مع واشنطن، وعلى ضوء اتهام واشنطن لنظامه بأنه بات يمثل عامل عدم استقرار في اميركا اللاتينية، ويهدد مصالحها الاستراتيجية، وبالمقابل اتهام تشافيز لواشنطن باستمرار سعيها للانقلاب على نظام حكمه، والتدخل بالشؤون الداخلية لفنزويلا، ومحاولة فرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية على دول أميركا اللاتينية، بات كل منهما يعتبر الآخر عدوه الأول. ويبدو ان الرئيس بوش الابن لن يسامح الرئيس تشافيز على إفشاله اتفاقية اقامة منطقة تجارة حرة لدول القارة الاميركية، الصادرة عن مؤتمر قمة كيبك في كندا 1/1/2001 حيث وافقت عليها 33 دولة من أصل 35، فنزويلا امتنعت، وكوبا لم تتم دعوتها. تشافيز رفض الاتفاقية لأنها برأيه تكرس الهيمنة الاميركية، وتحول باقي الدول الى سوق استهلاكية للبضائع الاميركية والكندية، وبقي يعمل على إفشالها، وعندما حل موعد تنفيذها في 1/1/2005 اقتصر التوقع على الولايات المتحدة وكندا بالإضافة الى اربع دول هامشية.

عداء شافيز لاسرائيل مبدئي نابع من قناعة راسخة بحكم تكوينه الفكري والطبقي، لا يقل عن عدائه للولايات المتحدة، وعمق من هذا العداء ضلوع الموساد الاسرائيلي في انقلاب 2002 تمويلاً وإشرافاً من خلال توجيهه ودعمه لحزب «العدالة أولاً» الذي قاد الانقلاب والاضرابات لاحقاً. وهذا العداء المستفحل يفسر جانباً من الدافع وراء سياسات تشافيز المؤيدة للقضية الفلسطينية والعرب عموماً، كما تجلى ذلك في مواقفه الأخيرة من الحرب الاسرائيلية على لبنان، وجرائم الجيش الاسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة، وهي مواقف شعبية كبيرة على الصعيد الجماهيري العربي. جانب آخر يفسر سياسة ومواقف تشافيز من اسرائيل وتأييده للقضايا العربية، يتمثل بثقل الجالية العربية البرازيلية، التي يقدر عددها بمليون ومئتي الف نسمة يتحدرون من أصول سورية ولبنانية وفلسطينية، عدد السوريين منهم مليون، جلهم من محافظة السويداء، ومنهم خمسة نواب في البرلمان الفنزويلي.

وهنا تكمن أهمية رهان تشافيز على علاقات متميزة مع سورية، لأن ذلك مكسب مهم لمعركة الانتخابات الرئاسية في 4 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، لكن هذا تقف دونه عوائق بحكم طبيعة تكوين الجالية العربية في البرازيل، وشبكة علاقاتها الواسعة مع قوى اليمين التي تتحكم بمفاتيح الاقتصادي الفنزيلي، والبعض يقدمها على التأييد السياسي لتشافيز، لذلك الجالية العربية منقسمة حول تشافيز، وحول نفسها، وهذه مفارقة كبيرة ومرة، وتشكل خطراً كبيراً يهدد علاقة تشافيز مع أبناء الجالية العربية الفنزويلية، والعرب عموماً.

استطلاعات الراي تؤكد ان تشافيز هو صاحب الحظ الأوفر للفوز بالانتخابات المقبلة، وانه سيبقى في مقعد الرئاسة حتى العام 2012، لكن هذا لا يوضح بشكل حاسم مسار التشافيزية مستقبلاً في فنزويلا والقارة الاميركية. مشاريع تشافيز الطموحة على الصعيد الداخلي، والاقليمي والدولي، غير مسندة حتى الآن بديناميكية عمل قادرة على تجسيدها، وهذا إذا لم يعالج على المدى القريب ثمة خشية متنامية بأن تتحول ظاهرة تشافيز والتشافيزية مع مرور الزمن الى مجرد ظاهرة شعبوية، من السهل الانقلاب عليها، كما وقع في مصر مع عبدالناصر والناصرية.


* كاتب فلسطيني مقيم في دمشق

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019