غلطة السيدة الوزيرة../ محمد خالد الأزعر

من دأب مسؤولي ملفات السياسة الخارجية ألا يفصحوا بسهولة عن أهداف بلادهم الحقيقية تجاه القوى الأخرى في المحيطين الإقليمي والدولي. وغالبا ما تؤاخذ الحكومات المسؤول الذي ساقته ظروف معينة، كزلات اللسان أو لحظات الانفعال، للحديث صراحة عما ينتمي إلى هذه الأهداف. وذلك باعتباره وقع في خطأ مهني جسيم قد يكلف الدولة ثمنا باهظا. ولهذا يميز فقه العلاقات الدولية في مبحث أهداف الدول بين أهداف معلنة ظاهرة وتكتيكية، وأخرى مضمرة غير معلنة واستراتيجية ليست للنشر إلى آجال معلومة.

نطرح هذه التعميمات ونذكر بها بمناسبة محاولة بعض المعلقين والمسؤولين العرب التقليل من شأن تصريح كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، الذي فسرت به ما يجري من حرب دموية إسرائيلية ضد حزب الله ولبنان بأنه "مخاض لولادة شرق أوسط جديد"، فمن وجهة نظر هذا البعض أنه لا مفاجأة في هكذا تفسير،

ولا نظرية جديدة تتبناها واشنطن تخالف ما تحدثت عنه إداراتها مرارا من قبل بخصوص الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، وبناء على ذلك، فإنه ما كان يتوجب على المعنيين العرب إطلاق العنان لتحليلاتهم بشأن إيماءة الآنسة الوزيرة، مثيرين بذلك ضجة كبرى حول قضية يفترض أنها تقادمت وأشبعت بحثا وتحريا.

وتقديرنا انه بالنظرة الشاملة يصعب دحض هذه الرؤية النقدية. فالمشروع الشرق أوسطي مبسوط على الملأ، وهو يخبو ويبرز في الأفق الإقليمي والدولي، منذ عشرات السنين، بمعنى انه ليس حتى من بنات أفكار إدارتي بوش الأب والابن وما بينهما. ومع ذالك فإن تصريح رايس يستحق الاهتمام عطفا على بعض التفصيلات، لاسيما مناسبته وتوقيته وتداعياته.

في هذا الإطار نلاحظ اجتهادا، كيف كشف التصريح السبب الحقيقي للحملة العسكرية الإسرائيلية، بما أكد الشكوك في أنها اكبر حجما وأكثر قسوة بكثير من أن تنسب للانتقام لأسر جنديين أو ثلاثة، أو إثبات الذات والثأر لكرامة مجروحة. التصريح فضح ما وراء الأكمة أميركيا وإسرائيليا، فبين أن الأمر يتعلق بتغيير خرائط ومعادلات أوسع من حزب الله ومن لبنان برمته، تتصل بعموم العالم العربي وموازين القوى بين التيارات والرؤى التي تتفاعل داخله وعلى ضفافه.

وإذا ما مضينا إلى نهاية التحليل، لأخذنا بالرأي القائل إن رايس أعلنت، من حيث لا ترغب على الأرجح، تدشين مرحلة جديدة من مراحل السياسة الأميركية الإسرائيلية تجاه تصنيع وإنتاج مشروع الشرق الأوسط المرغوب فيه.

موجز هذه المرحلة هو استخدام القوة العسكرية المباشرة وبعنف لا مثيل له ضد قوى وتيارات الممانعين والمقاومين لهذا المشروع، بما من شأنه تهيئة المناخ العربي، الشعبي بعد الرسمي، لتقبله كأمر واقع مفروض لا راد له ولا معقب عليه. ونحسب أن التحالف الأميركي الإسرائيلي أعلن بحملته الجبارة هذه على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، نهاية عهد الطرق الالتفافية السياسية والدبلوماسية والدعائية الإعلامية، التي سبق له اشتقاقها واجترارها مطولا بغية إنجاز مشروعه.

ما لم تلاحظه رايس، وهو خطيئة مهنية ترقى إلى حد الغباء السياسي المثير للسخرية، أنها تعجلت في كشف هذه المخبوءات في مستهل الحملة وبفجاجة مفرطة. ولعل هذه الخطيئة تنسب إلى ثقتها الفائضة بطاقة الآلة العسكرية الإسرائيلية على حسم المعركة سريعا، وبخاصة على صعيد كسر حزب الله وإلحاق الهزيمة المنكرة به. ويصح هنا أن تنسب هذه الثقة بدورها إلى التقديرات الإسرائيلية لقوة هذا الحزب وصلابته ساعة النزال، واحتمال انفضاض الداخل اللبناني من حوله بفعل التدمير المدني واسع النطاق الذي اضطلعت به الحملة وهي التقديرات التي تأكدت خيبتها بشكل قياسي.

هذا يعني أن رايس أبدت، وهي في حالة من الهوج وفقدان الكياسة وضبط النفس، ما كان ينبغي ألا يطلع عليه الخلق قبل الوقوف بدقة وترو على التطورات الميدانية. لكنها للحقيقة ومن حيث لا تدري ولا تقصد، ساهمت في صناعة بعض هذه التطورات لاسيما في المحيط العربي وربما أيضا الإسلامي لصالح حزب الله وحماس ودوائر مقاومي الأجندة الشرق أوسطية.

حدث ذلك حين أدت مداخلتها المكونة من سطرين إلى نوع من الاستنفار العام في هذا المحيط ضد الحملة الإسرائيلية، وذلك بعد أن تيقن الكثيرون من أنهم بصدد منازلة قد تحسم مصيرهم بأسره، وصاروا يقاربون انتصار حزب الله وصموده أو هزيمته وانكساره بالنظر لما تنطوي عليه هذه النتائج من دلالات على هذا المصير. بمعنى أن حزب الله حقق بسطري رايس ولسانها المنفلت عملية تعبوية واسعة النطاق والأصداء وعلى مساحة تتجاوز لبنان إلى ما بين المحيط والخليج وجوارهما.

وربما كان من تصاريف القدر أن يجري هذا المشهد في لحظة حرجة بالنسبة للحزب ومعسكر المقاومة.لحظة كاد فيها الخطاب المضاد الذي يصف تصرفات حزب الله بالمغامرة غير المحسوبة أن يجد آذانا مصغية وأفئدة تهفو إليه، فإذا بالتصريح إياه يقلب الأمر رأسا على قدم، منتشلا الحزب ومعسكره من حبائل مكيدة دعائية كبيرة. وتجدر الإشارة في هذا المقام أن المخاوف التي بعثتها رايس من مرقدها إزاء الهيمنة الإسرائيلية "الشرق أوسطية"، طاولت بعضا من القوى والمنظمات التي لا تستمرئ الحزب وخطابه ولا تستحب قضية المقاومة من الأصل.

كأن رايس بتصريحها المتعجل، عجلت أيضا بفتح آفاق رحبة ينساب منها خطاب حزب الله وخصوم الشرق-أوسطية بأريحية كبيرة وصدقية عالية. ونحسب أنه سوف يتعين على ما يعرف بالدبلوماسية الأميركية العامة (الدعائية إلى حد التضليل) أن تبذل جهودا خرافية وهي تسعى لتدارك ما خربته على سياستها الشرق أوسطية السيدة مسؤولة الشؤون الخارجية. وإلى أن نعاين فشل هذا السعي وخيبته لاحقا، دعونا نبتهل إلى الله أن ينجي امتنا من الساسة الحمقى والأغبياء، المأخوذين بغطرسة القوة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018