فطـام المدمنين على التفاوض../ د.جمال زحالقة

خلال قمة شرم الشيخ طلب الرئيس المصري، حسني مبارك، من رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرط، الامتناع عن التصعيد العسكري في قطاع غزة. وتناقلت وسائل الإعلام بأن رد أولمرط كان «تجاوباً إيجابياً» مع الطلب المصري.

أولمرط لم يقدم وعداً قاطعاً، ربما لعلمه الأكيد بأن القوات الإسرائيلية تحضر للتوغل في غزة والضفة الغربية في إطار خطة عسكرية متدرجة يوجهها وزير الأمن الإسرائيلي الجديد إيهود براك. لم يمض يوم واحد على التجاوب الإيجابي لأولمرط، حتى دخل الجيش الإسرائيلي القطاع ليقتل 13 فلسطينياً، ويدمر ويزرع الخراب، مما يدل على طبيعة الوعود الإسرائيلية في قمة شرم الشيخ، فالسيف، تحريفاً ومعذرةً لأبي تمام، "أصدق إنباء من قمة الكذب".

لا تختلف الوعود الإسرائيلية التي أطلقت في قمة شرم الشيخ عن تلك التي خرجت بها قمة العقبة قبل حوالي عامين، والتي لم يطبق منها شيء يذكر. الجديد هو الواقع السياسي الذي نشأ بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، والذي تحاول إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة، استغلاله لتكريس حالة الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة والقطاع، من خلال تكتيك معاقبة غزة ومكافأة الضفة، مما ينسجم مع الإستراتجية الإسرائيلية القديمة التي هدفت وما زالت تهدف إلى شرذمة الشعب الفلسطيني وتفتيت قضيته إلى قضايا متناثرة وحتى متنافرة.

عبّر عن هذا التوجه، ثعلب السياسة الإسرائيلية، شمعون بيريس، بقوله «لا توجد قضية غير قابلة للقسمة، وكل ما يمكن تقسيمه يجب أن يقسم». هكذا جرى تقسيم قضية فلسطين إلى قضية لاجئين خارج الوطن، والقدس قضية قائمة بذاتها، وفلسطينيو الداخل قضية، وأخيراً الضفة والقطاع قضية يجري تقسيمها على إثنين والحبل على الجرار، تقسيم على تقسيم.

هنا يتوجب التذكير بمشروع إسرائيلي طرح قبل سنوات طويلة يقضي بإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة وتقسيم الضفة إدارياً وجغرافياً بين إسرائيل والأردن، وصاحب هذا المشروع هو شمعون بيريس نفسه وقد لقي اقتراحه استحساناً عند عدد من قيادات الليكود في حينه. هذه الأيام يعاد إحياء المشروع اعتماداً على التحول في غزة، وعلى تقييم بأن السلطة الحالية لا يمكن المراهنة عليها على المدى البعيد.

أبدت إسرائيل، في قمة شرم الشيخ، وقبلها وبعدها استعداداً لتقديم الدعم وتسهيل الأمور على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومة الطوارئ، التي يرأسها سلام فياض، مع تفضيل للحكومة على الرئاسة، ولكن هذا التعامل مرتبط بشروط قاسية قد تؤدي إلى انهيار الحكومة والسلطة.

وتتمثل هذه الشروط بإبعاد حماس عن الكيان السياسي الفلسطيني الذي تتعامل معه اسرائيل وامريكا واوروبا، والقبول عملياً ليس بتقسيم الضفة والقطاع فحسب، بل بفرض الحصار والعقاب السياسي والعسكري والاقتصادي على غزة، وكذلك بضمان أمن إسرائيل وقمع المقاومة في الضفة. هذه شهادة حسن السلوك المطلوبة من حكومة الطوارئ الفلسطينية، ومن الواضح أن الساحة الفلسطينية لن تسمح بتطبيق هذه الشروط الإسرائيلية، مهما وصلت الرشوة والإغراء.

الآفة الكبرى هي في الموقف الفلسطيني، المستعد عملياً، للتساوق مع هذه السياسة حتى لو رفضها رسمياً من خلال التأكيد على وحدة الضفة والقطاع. إن مجرد الإسراع إلى المشاركة في قمة الشرم، وحال الانقسام الفلسطيني كما هو عليه، هو مشاركة فعلية في منح شرعية إقليمية لحالة الفصل السياسي والجغرافي بين الضفة والقطاع، ناهيك عن حالات التقسيم والفصل التي تعتبرها إسرائيل قد أنجزت.

لا يوجد هذه الأيام أي حديث عن تسوية من أي نوع. حتى الأغبياء بدأوا يدركون أن إسرائيل لا تحمل ولا تتحمل أي حل ممكن وهي اليوم بدون أي مشروع سياسي للتسوية. ولكن هناك على الساحة الفلسطينية يكتفون بمشروع «مفاوضات» حتى لو كانت وهمية.

لقد أدمن هؤلاء على المفاوضات، وتراهم في غياب المفاوضات يتكلمون ببطء وبعدم اكتراث، وحين يتلقون وجبة مفاوضات يدب فيهم الحماس ويتكلموا بسرعة مطلقين شعارات التفاؤل الأبله، الذي كلف الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً كان يمكن تلافيه. إسرائيل تزرع الأوهام وهناك من يأخذ على عاتقه تسويقها على الشعب الفلسطيني وعلى الرأي العام العالمي على اعتبار أن سرابها هو ماء زلال يلوح في الأفق، فالمهم هو الاستمرار في المفاوضات. ولعلنا اليوم بحاجة إلى البحث عن علاج وطريقة لفطام المدمنين على التفاوض.

تحت غطاء لقاءات القمة، وكثرة الكلام عن ترتيبات «تحسين ظروف المعيشة»، تستمر إسرائيل في تطبيق مشروعها التاريخي في تقسيم وتفتيت الشعب الفلسطيني والوطن الفلسطيني. هذا هو الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي، وما أغدقه إيهود أولمرط من مديح ووعود لحكومة الطوارئ الفلسطينية هو طعم خطير وسام لخدمة هذا الهدف الذي يتمثل اليوم في فك الارتباط بين الضفة والقطاع.

في مواجهة هذه السياسة الإسرائيلية فإن المشروع الوطني الفلسطيني يجب أن ينطلق من بديهية أن الشعب الفلسطيني هو شعب واحد غير قابل للقسمة. هذه ليست فقط نقطة البداية، بل يجب ان تكون البوصلة ونقطة النهاية في أي تصور وطني فلسطيني صادق مع نفسه ومع شعبه.