قرار محكمة العدل الدولية: نظرة إلى الوراء../ ديانا بطو*

بعد مرور خمس سنوات على المذكرة الإستشارية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية (ICJ) والمتعلقة بمشروعية الجدار، حان الوقت لتقييم الإستراتيجيات القانونية التي استخدمت وطرح انتقادات وإعادة تقييم إستراتيجيات قضائية مستقبلية.

وقد مثل قرار محكمة العدل الدولية المرة الأولى التي تقوم فيها محكمة دولية بالبتّ قضائيًا في مسألة فلسطين، حيث قامت محكمة العدل الدولية في قرارها، أخيرًا، بتثبيت ما يعرفه جميع المحامين والدارسين ونشطاء حقوق الإنسان كحقيقة: أنّ إسرائيل تحتل بالفعل الضفة الغربية وقطاع غزة (الأمر الذي لا يعترف به حتى المسؤولون الحكوميون الإسرائيليون)؛ أنّ المستعمرات السرطانية غير قانونية بغضّ النظر عمّا إذا كانت في القدس أو في أيّ مكان آخر؛ وأنّ إسرائيل انتهكت القانون بشكل فاضح ولعقود طويلة.

كما أنّ محكمة العدل الدولية لم تقيّد نفسها في رقعة أرض محددة بل طالبت إسرائيل بدلا من ذلك بهدم الجدار بكامله في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبإعادة الأراضي وبدفع تعويضات لقاء جميع الأضرار والخسائر.

ولكن الأهم أنّ قرار محكمة العدل الدولية أطّر العلاقات بين إسرائيل وبين الفلسطينيين في ضمن المنظور الصحيح: على أنها علاقة بين محتل ومحتل تتخللها السطوة المتأصلة غير المتوازنة المتجسدة في الاحتلال، وهي ليست علاقة بين طرفين ندّين. بكلمات أخرى، رفضت محكمة العدل الدولية "اختبار النسبية" الذي أشاعته المحكمة العليا الإسرائيلية، والذي يقضي بموازنة "احتياجات إسرائيل الأمنية" مع حقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيين.

وهنا تكمن قوة مذكرة محكمة العدل الدولية، فبدلاً من تقدير وتقييم كل متر من الجدار غير القانوني على أساس ما إذا كان يلبي احتياجات دولة ضالعة في الكولونيالية، فإنّ محكمة العدل الدولية أدركت الرابط بين مخططات إسرائيل الكولونيالية وبين الجدار، ولاحظت أنّ الجدار لم يكن يُبنَ لأهداف "أمنية" بل لكي يدفع قدمًا هذه المخططات الكولونيالية.

كما أنّ القوة الكبيرة في قرار محكمة العدل الدولية هي السبب من وراء رفض المسؤولين الحكوميين الإسرائيليين للقرار. فإسرائيل، كغيرها من الأنظمة التي تقترف انتهاكات فادحة للقوانين الدولية، ترفض قبول التطبيق الكوني للقوانين الدولية، وتبذل جهودًا هائلة لتظهر أنّ أعمالها لا تقتصر على كونها مختلفة بل أنها خيّرة في ضوء "التهديدات" المستمرة التي تواجهها. اللازمة المألوفة بأنّه "لا يمكن لأحد أن يستبدل الأحكام القضائية لـ {أدخل اسم دولة معتدية}"، تكررت من طرف مسؤولين في جنوب أفريقيا الذين دعموا نظام الأبرتهايد.

وبينما عرضت البعض من التسهيلات المحدودة لعدد محدد من العائلات، استمرّ توجه التقاضي التدريجي في تقوية ادعاءات إسرائيل الآتية: (أ) ليست هناك حاجة لمداولات قضائية على الصعيد الدولي، وذلك بسبب "خيريّة" المحكمة العليا؛ و (ب) ليست هناك منفعة لهذه المداولات القضائية الدولية المبدئية ذات الموازين الرحبة حيث أنّ أيّة قرارات ستصدر عن أية محكمة ليست المحكمة العليا الإسرائيلية سيجري تجاهلها تمامًا.

وفي الوقت الذي أمارس فيه انتقادي الشديد على توجه التقاضي التدريجي، سواءً أكان بمعايير المنفعة أم الإستراتيجية، فإنّ نقدي الأكبر غير موجه صوب الأفراد الذين يلجأون إلى هذه الوسائل، بل صوب السلطة الفلسطينية التي:

(أ) فشلت تمامًا في الاستفادة من أهمية قرار محكمة العدل الدولية؛
(ب) أجبرت مجموعات سكانية على السعي نحو تعويضات من خلال جهاز المحاكم الإسرائيلية بهذه الطريقة؛
(جـ) أخفقت في الإعراب بوضوح عن أيّ موقفا/ رؤيا يتعلقان بالالتجاء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، وهي المحكمة التي تعاني تضاربَ مصالح متأصلاً في أنها تصدر قراراتها القضائية بما يتعلق "بالجرائم" المشهودة التي تدّعي دولة إسرائيل أنها ليست في الواقع إلا خطوات اتخذت من أجل أمن إسرائيل.

ويتجسد هذا المبدأ، على أفضل حال، في كلمات رئيس المحكمة العليا السابق، أهرون براك، في قضية "بيت سوريك"، وهو أول قرار للمحكمة العليا بشأن الجدار: "مهمتنا صعبة. نحن أبناء للمجتمع الإسرائيلي... وكسائر الإسرائيليين نحن ندرك أيضًا الحاجة للدفاع عن البلاد ومواطنيها في وجه الجراح المسددّة بواسطة الإرهاب." (يُنظر إلى قرار المحكمة العليا 2056/04 مجلس قرية بيت سوريك ضد حكومة إسرائيل. (نُشر القرار في 30 حزيران 2004)، 86).

ومن خلال التفكير في هذه المقولة، فإنه من غير المفاجئ أنّ هذه هي المحكمة ذاتها التي فشلت في إخراج التعذيب عن القانون؛ منحت الضوء الأخضر لإسرائيل للاستمرار في جرائم الحرب البشعة التي تقترفها والمحافظة على الحصار الهمجي على غزة؛ وشرعنت استخدام هدم البيوت كنوع من العقاب. ولذلك، فإنّه من المدهش أنّه لم يُتخذ موقف أكثر مبدئية بما يتعلق باستخدام السلطة الفلسطينية للمحكمة العليا الإسرائيلية، رغم قرار الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية.

وعلى الرغم من مرور خمس سنوات، إلا أنه لا زال بالإمكان الإستفادة من قرار محكمة العدل الدولية، حيث أنّ القرار ينسجم مع تطلعات المجتمع الدولي، ويُلزم الدول بعدم دعم الجدار الإسرائيلي.

لقد حان الوقت للتعامل مع قرار الحكم على نطاق عالميّ واستخدامه كأداة لدعم حملة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل، على نطاق واسع. ويجب على الناشطين الحقوقيين الدوليين أن يستهدفوا على المستوى المحلي الدول والشركات التجارية التي تدعم الجدار الإسرائيلي ومستعمراته.

يجب العمل مجددًا على إحياء الجهود المبذولة ضمن أجهزة الأمم المتحدة سعيًا من أجل إصدار قرارات عن الأمم المتحدة لتطبيق مذكرة محكمة العدل الدولية، وفي حال سير الأمور بطريقة مثالية يجب ضم هذه المبادرات إلى الضغوطات الدبلوماسية والأخرى المستمرة الممارَسة لإجبار إسرائيل على الإذعان لقرار محكمة العدل الدولية.

إضافة إلى هذا، يجب على الجهود المبذولة لدعم الصمود الفلسطيني أن تضمن عدم لجوء الفلسطينيين إلى عملية التقاضي التدريجي أمام محكمة قد توفر عونًا محدودًا للبعض، ولكنها ستقوم، مستقبليًا، باستخدام "مشروعية" هذا العون من أجل الصفح عن انتهاكات أكبر لحقوق الإنسان.

هناك حاجة ماسّة لتخطيط إستراتيجي قضائي، خشية أن يجد قرار محكمة العدل الدولية نفسه في طريقه نحو "مزبلة التاريخ"، كما يحلم أحد المثقفين الإسرائيليين.
موقع "عدالة"