ملاحظات سريعـة عشية الذكرى التاسعة للهبة الشعبية../ عوض عبد الفتاح

حسنًا فعل رئيس لجنة المتابعة العليا، السيد محمد زيدان، أنْ دعا مبكرًا اللجنة، في الثاني من شهر أيلول، للتحضير للذكرى التاسعة للإنتفاضة الفلسطينية الثانية، وللهبة الوطنية الشعبية العارمة التي اجتاحت المدن والقرى العربية داخل الخط الأخضر كاللهيب في الهشيم بعد يومين فقط من دخول شارون ساحة الأقصى أواخر أيلول عام 2000. كانت حصيلة هذه الإنتفاضة والهبّة آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، ومئات القتلى الإسرائيليين والجرحى.

جرى كل ذلك في مواجهةٍ هي الأشمل والأعنف على أرض فلسطين منذ عام 1948، بين أجهزة المشروع الكولونيالي الإحتلالي العنصري الإسرائيلي وبين أهل هذا البلد الأصليين.

إحياء هذه الذكرى، أو أي ذكرى وطنية أخرى، ليس طقسًا أو خطوةً فولكلورية، بل يدخل في صميم عملية مراكمة بناء الذاكرة الجماعية وبناء الأمة، وإعادة شحذ هذه الذاكرة واستنهاض الهمم والتحريض على العمل والنضال، ونفض حالة الترهّل والإسترخاء التي تُصيب التيارات السياسية والناس معًا في أوقات الجزر. لا بل إن إحياءها يندرج ضمن التربية الوطنية والتنشئة الإجتماعية، القائمة على تعزيز الإنتماء في مواجهة الفردانية وإدارة الظهر، أو في مواجهة نهج التيئيس وتثبيط العزائم.

ومن هذا المنطلق، يجب أن يحظى إحياء هذه المناسبة الهامة بجدية واهتمام كبيرين بحيث تصل ذكراها ومعانيها إلى كل بيتٍ، خاصة في هذه الظروف التي يتسارع فيها الزحف الجديد لمخطط اسرائيلي ضد عرب الداخل الهادف إلى إغلاق حلقة التهويد الكامل كجزءٍ من التصور النهائي الصهيوني لحل المسألة الفلسطينية.

لا يجوز التعامل مع الهبّة الشعبية العارمة داخل الخط الأخضر، بالعقل الواعي أو اللاواعي، وكأنها هبة مجموعة فلسطينية مفصولة عن جذورها وأصلها. فمن الناحية العملية، كانت الهبة ردًَّا على الجرائم الفظيعة التي ارتكبتها إسرائيل ضد أهلنا في ساحة الأقصى ومن بعدها في بقية الأراضي المحتلة عام 67 إضافة إلى احتجاجها على سياسات الدولة العبرية ضدها. ومن الناحية القومية فإنَّ هذه المجموعة القومية هي جزء من شعب فلسطين، وظروف الحصار والتمييز والعنصرية التي تعيشها نابعةً من مصدر واحدٍ معادٍ هو الصهيونية.

لقد كان لإنفجار الغضب الشعبي الفلسطيني في 28/09/2000 أهميةً بالغةً في تاريخ النضال الفلسطيني، وكان يمكن أنْ تكون نتائج هذه الانتفاضة أفضل بكثير لو أجيدت إدارتها ولو تم تجنب أخطاءٍ قاتلةٍ من جانب القيادات. مع ذلك فإنّها أوقفت آنذاك زحف الأسرلة إلى داخل حدود الـ 67، وذكرَّت الإسرائيليين بأنَّ العلاقة بين المحتل والواقع تحت الإحتلال لن تصبح طبيعية وتظل علاقة صراعيةً حتى تتحقق العدالة حتى لو تم التطبيع ونسج علاقات المصالح والودّ مع أوساط في النخب الفلسطينية.

أما الهبة الشعبية داخل الخط الأخضر فقد فرملت عملية التأسرل التي كانت قد بدأت تتفاقم في أوساط الأجيال الشابة، بل وحتى في أوساط حزبية، في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو.

لقد استغلت اسرائيل فيما بعد سوء إدارة الإنتفاضة والأخطاء التي ارتكبت، واعتمدت على قابلية النخب الأوسلوية للتطبيع وللإرتهان لنهج تفاوضي مهين ومدمّر، لتعيد الإمساك بزمام الأمور ولتفتح المجال أمام حكم الجنرال الأمريكي كيث دايتون الذي يعمل بمباركة السلطة الفلسطينية على إعادة بناء الأجهزة الأمنية وخلق ذهنية فلسطينية جديدة مروضة، ومن ثم القبول بنظرية تحسين الوضع الإقتصادي في ظل الإحتلال.

على أية حال هناك من يراهن على إعادة النظر في هذا النهج بعد مؤتمر فتح، وفتح آفاق التغيير على المستوى الداخلي لكن هذا يبقى احتمالاً من بين احتمالات أخرى.

هذا على المستوى الفلسطيني العام، أما على المستوى الفلسطيني داخل الخط الأخضر حيث لا يتم التعامل معنا كقضية دولية، لا من جانب المجتمع الدولي، ولا من جانب السلطة الفلسطينية ولا من جانب إسرائيل، فإنه يقع علينا إعمال الفكر بشكل دائم وتطوير الرؤى، وتطوير أدوات وآليات العمل بين الناس وكيفية الوصول إلى مواقع التأثير والضغط على إسرائيل.

ففي ضوء تفاقم الهجوم على عرب الداخل وفي كافة المجالات، ليس فقط في مجال تدمير الهوية، بل في استنزاف البنية الإجتماعية – الإقتصادية – الثقافية وفتح الباب أمام الإنحلال الجماعي والفردي.

في ضوء ذلك كله يُصبح ضروريًا التوقف أمام كل مناسبة وطنية أو محطّة، لإعادة تقييم توجهاتنا ومستوى تنظيمنا. وقد يتحول التلكؤ في القيام بهذه المهمة إلى نهج مدمّر، لأنه يعني تكريس تغييب البدائل الوطنية، العملية والسياسية، ضد المشروع الإسرائيلي العنصري والعدائي.

يلاحظ محاولات يقوم بها السيد رئيس لجنة المتابعة الجديد لإدخال ترتيبات على اللجنة المتابعة لتحسين أدائها كمرحلةٍ انتقاليةٍ باتجاه إعادة البناء الجذري، وهي ليست مهمة سهلة في ظل العلاقات السائدة بين الأحزاب وشُحّ الإمكانيات. ولكن يمكن أن تكون عملية التحضير المبكرة لإحياء ذكرى الهبة الشعبية داخل الخط الأخضر فرصة لتناول الأوضاع الداخلية بصورة جدية، عبر الندوات الجدية، والمهرجانات السياسية، والمظاهرات، ونشر الأدبيات وضمان وصولها إلى كل مدرسة، إلى الأجيال الجديدة التي تختزن الطاقات الهائلة. إن اقتراح بعض القوى بإعلان الإضراب العام في هذه الذكرى، يحتاج إلى تحضير جيّد وخلق أجواء مواتية في كل قرية ومدينة، وهذا يمكن أن يحصل فيما لو تعاونت الأحزاب فيما بينها، وخاصة تلك التي تسعى جديًا إلى إعادة بناء الأطر التمثيلية العربية والمعنية بالإعتماد على الذات.