مواقف عربية شعبية.. لكن ماذا عن القوى الفلسطينية في الضفة؟../ ناصر السهلي*

بعد أيام خمسة على هذه المحرقة الصهيونية في غزة تناقض لف المشهد الإعلامي والجماهيري الفلسطيني.. تناقض يحمل الكثير من الملاحظات الفجة.. ففي مقابل خروج جماهير عربية وعواصم ومدن غربية في تظاهرات حاشدة تنديدا بالعدوان وتعبيرا عن وقوف هؤلاء مع الشعب الفلسطيني المحاصر والمقصوف في غزة، كان السؤال الكبير المدوي من غزة حول طبيعة التحركات العربية ودورها وصمتها أحيانا.. بل وحول بعض الإعلام الذي يقلب الحقائق رأسا على عقب في الترويج للمبررات الصهيونية التي لا يمكن القبول بها لا أخلاقيا ولا قانونيا.. فعناوين " ورطة غزة" التي صارت " ورطة الأنفاق" وربما وبدون أدنى مسؤولية واقعية إنتقلت إلى ثرثرة حول ما يمكن أن ينقذ غزة في حالة "سقوط حماس" تحت القصف والأهداف المعلنة والخفية لساسة العدوان..

تناقض جلي بين أنظمة تدعي العروبة والاسلام وجماهير تسبقها سنوات ضوئية في قراءة ما تهدف إليه القيادتان السياسة والعسكرية في إسرائيل.. والسؤال الذي يظل مثار سخرية هو المتعلق بما يمكن للعرب، المطبعين تحت بند "الاعتدال" والتحالف مع واشنطن وقراءة العلاقة مع الكيان الصهيوني قراءة مقدسة لا زحزحة عنه، أن يفعلوه.. فهم كمن في حالة إنتظار، متكرر كما في تموز 2006، لتنهي ليفني وباراك وكل قادة الاجرام ما وعدوا أو اتفق عليه..

في هذا المشهد العربي الذي إختار أن يسمح بالتنفيس عبر صراخ وتساؤلات عن دور الرسميين العرب والتنديد بالمذبحة يعجز النظام العربي مرة عاشرة أن يكون بمستوى الحدث.. موقف يعيش حالة من الانتظار والتريث والاحتماء بتناقض المواقف البينية لكي يجري مسخ المؤسسة الرسمية الممثلة بالجامعة والقمة العربيتين..

شعارات التنديد والشجب والدعوة المائعة "لوقف إطلاق النار" هي الصيغ التي يقدمها المجتمع الدولي، وهي الصيغ ذاتها التي يتحدث بها النظام الرسمي العربي وكأن الذي يجري لا يحدث في فلسطين بل في الكونغو أو ليبيريا.. وسواء وجد العرب وسط تناقضات الرسمية مجالا لعقد "قمة طارئة" أم لم يجدوا فإن التاريخ لا يبشر سوى بمزيد من المآسي للفلسطينيين حين تنعقد قمة مشابهة لقمة بيروت التي كان الرئيس الراحل ياسر عرفات يريد حضورها فجاءت نتائجها مزيدا من القتل والاجتياح..

هنا القضية لا علاقة للتشاؤم أوالتفاؤل بها أبدا.. فهي جلية وواضحة.. وقد عبر عنها الرئيس المصري حسني مبارك بشكل لا يحتاج للكثير من التأويل الذي مارسه وزير خارجيته أحمد أبو الغيط، وإن كان السيد حسن نصر الله قد حدد وبكل صراحة ما نحن بصدده..

عجز فلسطيني.. ومسؤولية القوى الوطنية

من المخجل والمعيب أن يتحول المشهد الفلسطيني إلى "وقفات تضامنية" مع غزة… كيف لا وأنا أسجل ما قام به الفلسطينييون في داخل الخط الأخضر على امتداد المدن العربية من تلقفت قواه الوطنية لمعنى أن تعبر عن الانتماء الواحد لهذا الشعب الفلسطيني أينما ما كان..

ملاحظة لا بد من تسجيلها على القوى الفلسطينية في الضفة الغربية.. سواءا قبل أم لم يقبل بها البعض.. فقد أظهرت غزة إلى العلن حالة مأساوية لهذه القوى الوطنية التي ما فتئت تتحدث عن الجماهير وإرادتها في وقت ظهر أن الجماهير تسبق هذه القوى في قراءتها الوحدوية لمعاني أن يتعرض قسم من الشعب الفلسطيني لهجمة بربرية لا تفرق هناك في غزة بين فصيل أو آخر.. ولا يملك ربان الطائرة المغيرة الكثير من الاهتمام بالتفريق بين هذا المكان أو ذاك بناءا على "الولاء والانتماء"..

أقول من السخرية حقا أن تجد الجماهير الفلسطينية نفسها، وتحديدا في رام الله كمركز ثقل سياسي وتنظيمي، تتحرك مستصرخة الجماهير والنظم العربية بينما في الوقت ذاته تغيب أية حركة منظمة للفصائل الوطنية " المؤيدة والمعرضة لأوسلو" وبعد 5 أيام على العدوان.. ويثيرك هذا المشهد الذي يراد له أن يصبح مألوفا.. وهو موقف موثق بالصور والتسجيلات الصوتية: ترفع أعلام فصائل فلسطينية في اليوم الأول للعدوان بالقرب من مستعمرة بيت إيل وتجري مصادمات مع قوات الاحتلال.. تتحرك الجماهير وسط رام الله في اليوم التالي، وتحديدا في دوار المنارة، تهتف مطالبة بالوحدة الوطنية ومناشدة العرب الخروج إلى الشوارع.. في الوقت عينه، وفي ظل غياب القوى المنظمة يبقى العمل العفوي، وهو بالمناسبة باشتراك نخب سياسية وتنظيمية من معظم الفصائل، عملا يتعرض وبسرعة البرق الى الانفضاض متحولا إلى حالة شبيهة بحالة خروج جاليات عربية في بلدان الاغتراب للتظاهر اللحظي تنفيسا عن حالة الغضب بدون حالة تستثمر هذا الغضب ببرنامج ومطالب منظمة..

ما أقوله هنا بأن حالة من التهكم والسخرية سادت هذا الفعل الذي دل على مرض حقيقي للقوى التي إما أن تكون قوى مؤيدة للسلطة أو معارضة لسياساتها.. وسواءا قبل هؤلاء ما نقوله أم لم يقبلوا، فإن غياب الفعل المنظم أدى في حالات مرئية وبالعين المجردة إلى فلتان شعاراتي قد يكون منبعه الغضب وترك الأمر لقوى الأمن أن تتدخل هنا وهناك لتوقيف هذا أو ذاك من الذين هتفوا بهتافات يبدو أن توجها ما في السلطة الفلسطينية لا يريده رغم كل الشعارات عن وحدة الشعب وقواه وضرورة توحد الجهود.. فالهتاف الذي يرى في المقاومة سبيلا لدعم غزة مرفوض.. والهتاف الذي ينتقد أنظمة حكم عربي بعينها مرفوض أيضا.. وغيرها الكثير مما لا يمكن الآن سرده بتفاصيل مملة..

في المجمل كنت أتساءل عن "قوى اليسار" وتحالفاته.. عن برنامجه الذي كان يوما رياديا وجماهيريا.. لكنني وجدت نفسي أمام مأساة حقيقية.. لقد سمعت من نخب ومتظاهرين عاديين في اليومين اللذين شهدت فيهما رام الله حشودا جماهيرية وبعد تدخل قوى الأمن في الهتافات والشعارات ما يدل على خطورة أن يجري تدجين الناس أو على الأقل دفعها إلى عدم الاستمرار في التجربة الجماهيرية وحصرها في تحركات نخبوية.. بمعنى أصح، حين تسأل الجماهير عن الدور والمواقف العربية الشعبية والنقابية والمنظمة والرسمية منذ اليوم الأول للعدوان فقد تلمست فورا ونتيجة إفتقاد هذه التحركات الفلسطينية لغطاء وبوصلة من القوى الوطنية، وخصوصا "تحالف اليسار" الذي بالطبع وجدت بعض شخوصه تشترك في الفعل الجماهيري لكن فرديا.. أدركت حينها غياب المصداقية في التساؤل عن دور الجماهير العربية بينما أصحاب الوطن الواحد يعانون في مسألة غياب البرنامج الريادي لقواه الوطنية وتحول هذا الفعل إلى ماهو دون تحركات امتدت من المحيط الى الخليج وباستمرارية غابت عن تلك القوى..

السلطة الفلسطينية بلا شك لديها قراءتها السياسية.. لكنها في التطبيق تفقد الكثير الكثير في ممارسات قوى الأمن في رام الله.. فالحفاظ على الجماهير، وهو شعارها، لا يعفي القوى الوطنية من أن تقدم بدائل وطنية أيضا ومنظمة لاستمرار الفعل الجماهيري الضاغط والذي يُشعر الاحتلال بأن الشعب واحد والوطن بالتالي واحد رغم كل الاختلافات السياسية.. ففي المشهد الصهيوني المتوحد على الدم الفلسطيني وجد المشهد السياسي الفلسطيني نفسه منقسما ومرتبكا، غير قادر على مجاراة الوعي الجماهيري بأهمية التوحد أمام تدمير ونزيف غزة..

من غير الممكن القول إن وجود شخصيات سياسية فصائلية وحزبية في الاعتصامات والمسيرات الجماهيرية في رام الله يكون بديلا عن عما تطمح إليه الجماهير الفلسطينية في توكيد العمل الجماهيري المتواصل.. فالضفة بالنسبة لغزة ليست كما الخرطوم أو المدن السورية والمصرية واليمنية واللبنانية.. إلخ.. بل الضفة هي جزء أساسي في إرسال رسالة واضحة للعرب عن وحدة هذا الشعب وقضيته… ولا يجوز مهما كانت المبررات التعمية على العجز الذي بدا، والارتباك الذي تمكن من تلك القوى في ممارسة بعيدة كليا عن النضال الجماهيري..

وبرأيي المتواضع فإن الأسئلة التي يطرحها البعض على تلك القوى وعن رياديتها المفقودة والمربكة للجماهير هي أسئلة محقة بدون أدنى شك.. اليوم هو الخامس في العدوان على غزة.. وقادة العدو الصهيوني لا يمكنهم أن يتوقفوا طالما أن البرنامج السياسي والكفاحي مغيب عن جزء أساسي من الشعب الفلسطيني وبأيدي قوى سياسية من فتح إلى الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب والمبادرة الفلسطينية وما بينهم من قوى إسلامية ووطنية..

إذا كان الخلل قائما قبل هذا العدوان.. فإن الدم الفلسطيني وتدمير غزة بكل هذه الوحشية من المفترض أن يكون رافعة لكل تلك القوى التي ذكرتها أعلاه لتعيد صياغة علاقاتها الداخلية وعلاقتها بالجماهير التي تُدفع بفعل غيابها عن الساحة إلى حالة أخرى من اليأس والتمترس أمام شاشات التلفاز متابعة للقصف والتدمير وهي تعض على شفاهها أسى وألما..

القرى والمدن الفلسطينية في الداخل الفلسطيني تتحرك بشكل يومي منذ اليوم الأول للعدوان.. فكيف لا تقوم القوى الوطنية والاسلامية في الضفة بتقديم الصورة الريادية النعتادة والمعروفة عنها في دفع العدوان على شعبها بدل ترك غزة وحيدة يتم الاستفراد بها على هذا النحو المخزي.. فمن يسأل عن ملايين العرب عليه أولا أن يقدم أجوبة عن فعله المطلوب ليكون لأسئلته مصداقية وصدى حقيقي.. ولا يجوز بأي حال من الأحوال في ظل نظام التعددية والديمقراطية التي نعترف بوجودها في مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة وحتى في القرى والمدن التي لا تزال تحت السيطرة الاحتلالية أن يجري الركون إلى حالة البيان والتنديد.. ومن غير المسموح لكل الإرهاصات أن تعكس نفسها على تلك القوى التي لا يفرق العدوان في غزة بينها وبين دعايته بأن حرب الصهاينة موجهه فقط ضد حركة حماس، فالخطورة كبيرة ، سواء اتفقنا أم اختلفنا مع حماس، على مجمل الوضع الفلسطيني والاستفراد الصهيوني بكل مدينة وتجمع فلسطيني على حداه..

قد يعتبر البعض كلامنا سابقا لأوانه.. لكنه أبدا ليس كذلك أمام ما يتسرب في الصحف الغربية عما يُحضر لغزة وبعدها كل المدن الاخرى في الضفة..
هذه معركة الشعب الفلسطيني كله، وهو يتطلب بدون تنظير أن يكون الجميع أمام مسؤولياتهم قبل أن تقع الكارثة وعندها لن تفيد كل المراجعات الإعلامية والسياسية والبرامجية..