ميلاد "بن غوريون الفلسطيني" في بلد هرتسل، و"وفاة" الشعب الفلسطيني../ عبد الحكيم مفيد

ليس أروع من أن يولد بن غوريون الفلسطيني في هرتسليا، كان الأجدر بشمعون بيرس الذي يتقن التسميات واستعمال المجازات اللغوية أن يسميه "هرتسل الفلسطينيين" تيمنا باسم المدينة التي عقد بها المؤتمر.

يسمي الإسرائيليون العرب والفلسطينيين بالأسماء التي يريدون، وبإمكان العربي أن يكون مخربا في الصباح، وثائرا بعد الظهر، وبن غوريون أحيانا، لكن تسميته تخضع للحظة التي يعيش فيها، ولرغبة إسرائيل، فسلام فياض رئيس حكومة معين، الابن البار لأمريكا، ومن لديه شيء آخر فليقل، يمكن أن يكون "حظي" بلحظة تاريخية وبكلام من النوع الذي يحب شمعون بيرس توزيعه على من حوله، يمكن أن يحظى بـ"شرف إسرائيلي " عظيم ليشبه تحديدا في بن غوريون، لكن اللحظة التاريخية ذاتها التي وقف بها فياض في مؤتمر هرتسليا تحديدا تحمل الكثير من المعاني بالنسبة لنا، نحن الفلسطينيين، التي يحظى بها رئيس حكومة فلسطيني (هل فهمتم) في مدينة هرتسل على لقب "بن غوريون الفلسطيني"، لا شيء مذلا يمكن أن يحظى عليه فلسطيني أكثر من هذا التشبيه والتوصيف.

لكننا وعلى الرغم من المطالبة الشديدة للغاية من قبل بعض الإطراف مؤخرا أن لا "نحمل النص" على أكثر من وجه، فانه ليس بمقدورنا فعل ذلك لسبب بسيط للغاية، نحن لا يمكن أن نفصل فياض لا بصفته ولا بشخصه عن حضوره إلى هرتسليا، إلا إذا كان سلام فياض ومن حوله من المطبلين قد قرروا فعلا أنه ما عاد حرج في حضور مؤتمر إسرائيلي - صهيوني - يهودي يبحث بالأساس عن المخاطر التي تواجه المجتمع الإسرائيلي على رأسها الشعب الذي ينتمي إليه فياض، والذي يتحدث باسمه، والذي يدعي أنه يمثله أو يمثل "نصفه"، هذا هو السؤال الأهم، ليس حضور فياض بل المنطلقات لحضوره، والدوافع من وراء هذا الحضور.

هناك من أضفى على مشاركة فياض شيئا غير عادي من الجدية و"الهالة"، ولأن درجة الانفعال في هرتسليا لم تكن عادية، فانه يجوز لسلام فياض أن يعتزل السياسة ويبني له كوخا في مخيم من المخيمات المحاصرة، كما فعل بين غوريون، في النقب أي قريبا من غزة.

ماذا فعل سلام فياض في مؤتمر هرتسليا للأمن والمناعة القومية ؟ هل فعل ذلك على أساس انه صار من الممكن أن تجهر السلطة الفلسطينية بموقفها كجزء من "السياسة الإسرائيلية"، مركب منها، وأنا هنا لا أبالغ، بل أحاول أن اطرح زاوية أخرى، آن الأوان آن نتعامل معها بجدية.

منذ سنوات وإسرائيل تلمع بسلام فياض، المصنوع على الطريقة الأمريكية، الذي أخرج "الفلسطينيين من تحت الركام"، وصار بالإمكان قضاء ليلة في ناد ليلي في رام الله في "عهده الميمون"، لأن أحسن ما يمكن الوصول إليه من انجازات مؤخرا هو "ليلة في ناد ليلي" في رام الله، تؤكد أن هناك "تغييرا جوهريا" يحصل عند الشعب الفلسطيني الذي "ملّ المعاناة والمقاومة والسياسة" كما يبرر هؤلاء، آن الأوان أن "يعيش حياته".

حياة الفلسطينيين في هرتسليا من وجهة ما يمثله سلام فياض لا يمكن أن تكون أكثر من "مستوى معيشة"، بها تبدأ وتنهي الحياة، وكل ما عدا ذلك لا يساوي شيئا، لا الوطن ولا الكرامة ولا حتى الوقوف في طوابير الاونروا للحصول على قليل من الدقيق والزيت.

سلام فياض بن غوريون الفلسطيني "وهيرشلي الغرب"، لا يمكن أن يكون بكونه منتجا أمريكيا بامتياز أكثر من شخص يعلن عن "وفاة شعبه" في جنازة مهيبة في هرتسليا بالذات، وليس في مكان آخر، والذي يعلن عن وفاة شعب مثل الشعب الفلسطيني بمراسيم رسمية يستحق لقب "بن غوريون الفلسطيني" يستحقه ببراعة، لأنه لا شيء يذكر بنكبة الفلسطينيين الأولى مثل بن غوريون، ولا شيء سيذكرنا بنكبتها الثانية على ما يبدو مثل سلام فياض.

ماذا يمكن أن يقول العرب في مؤتمر مثل مؤتمر هرتسليا، إن هناك تمييزا عنصريا ونرجو توظيف أولادنا في شركة الكهرباء، ودائرة الإحصاء المركزية.

مؤتمر هرتسليا يبحث حالة "المناعة القومية" عند الإسرائيليين، وهو يبحث عادة في المخاطر التي تهدد المناعة القومية؟ ومن أفضل منا العرب يمكن أن يعتبره المؤتمر وغيره "خطرا" على المناعة القومية للإسرائيليين؟

مع الاحترام والتقدير لمقولة نريد أن نسمع صوتنا، في هذا المكان بالذات لا يمكن إسماع أي صوت من أصواتنا، لأن صوتنا هنا بالذات "صوت نشاز"، فنحن مادة لبحث خطر ديموغرافي خطر وجودي، والمسألة هنا إسرائيلية بحتة، لا ناقة لنا بها ولا بعير.

لكن في تقديرنا أن هناك من يحاول أو يجتهد أن يزجنا في "عنق" أسرلة مبتذلة تنفع لأيام الحكم العسكري، "أسرلة تلفزيونية" شديدة البريق واللمعان، كل شيء فيها إسرائيلي إلا العرب، لأن العرب لا يمكن أن يكونوا إسرائيليين حتى لو تقدموا بطلبات رسمية لوزارة الداخلية، إسرائيل لا تريدنا إسرائيليين، لأنها حينها لن تكون إسرائيل كما تريد.

لكن ماذا نفعل إذا كان هناك من يصمم على زجنا في أتون هذه المعركة، في صحراء سياسية عقيمة أولها تلفزيون وآخرها "مؤتمر مهيب"، يتخللها شتائم وصراخ وكلام في "فن الظهور التلفزيوني"؟ هل يعتقد هؤلاء أن أزمتنا تكمن في إتقان اللغة العبرية واستعمالات "مجازية" للغة؟ هل يمكن أن يستخف في عقولنا إلى هذا الحد؟

من يجرنا إلى الملعب الإسرائيلي لنلعب لعبة لا ناقة لها بها ولا بعير، يعرف جيدا أنه لا يستطيع أن يلعب لعبته إلا في هذا الملعب، الملعب الإسرائيلي، مرة لـ"إحراج اليمين الإسرائيلي" و"فضحه"، ومرة أخرى لـ"لإجادة فن الظهور" على الشاشة.

بين هرتسليا وأوشفيتس هناك خط رفيع يمر، لكنه متين من حيث العلاقة، لأن اوشفيتس هي المحرقة فيما يعتبر مؤتمر هرتسليا محاولة لقراءة ما يمكن أن يمنع المحرقة القادمة كما يكرر الإسرائيليون مثل هذا الكلام، عادة.

كلاهما رواية إسرائيلية للإبادة، واحدة حصلت وأخرى مفترضة، والرد على الإبادة، للموت مقابل البقاء، وهي مسألة شرعية بالنسبة للإسرائيليين، لكنها غير مفهومة بالنسبة لمشاركة العرب بها، على أي أساس تتم المشاركة، على أساس أنهم إسرائيليون؟ هل يمكن وصف سلام فياض رئيس حكومة فلسطين أنه كذلك؟ إذا كان من شارك في مؤتمر هرتسليا من العرب هذا العام وفي العام الماضي، يرون أن هناك فائدة ترجى من هذه المشاركة حيث أنها منصة لإسماع صوتنا، وللمطالبة بـ"أنزال أقسى العقوبات على إسرائيل"، في المنظمات الدولية شديدة النفاق، وهي تشبه إلى حد ما مطالبة نجم الغناء ألتون جون بعدم المجيء لإسرائيل للمشاركة في مهرجان ينظم له، احتجاجا على ما تقوم به إسرائيل من أفعال إجرامية، ومع أن المطالبة لا تخلو من كونها "لفتة إعلامية" على شاكلة "جيميك للاستهلاك" فإنه كان أحرى بصديقنا أن يطالب بعض أعضاء الكنيست العرب بالمشاركة في مظاهرة على حاجز ايرز ضد الحصار على غزة، أو أن يطالب سلام فياض بعدم المشاركة في مؤتمر هرتسليا أو أبو مازن بوقف المفاوضات مع إسرائيل حتى يتوقف الحصار عن غزة.

لماذا هرتسليا بالذات؟ وما الداعي للذهاب إلى هناك؟ وأي صوت نريد أن نسمع؟ وأي صوت لم نسمعه بعد؟
سنسأل عن هرتسليا وعن اوشفيتس الكثير من الأسئلة، المقبولة وغير المقبولة، المعقولة وغير المعقولة، عن من شارك هذا العام في مؤتمر هرتسليا (د.احمد الطيبي، وفي العام الماضي رئيس لجنة المتابعة في حينه شوقي خطيب وكذلك عايدة توما سليمان من الجبهة)، وسلام فياض كذلك، بالنسبة لنا المسألة الأهم ليست المشاركة بل منطلقات المشاركة، مبرراتها، وكيف يرى كل طرف مشارك نفسه في هذه المشاركة، هذا الاصطفاف الذي بات أكثر وضوحا في الاصطفاف الكبيرة في المنطقة، وليعذرنا من لا يريد أن يسمع، ونحن بودنا أن نسمع شيئا آخرا، غير الذي نشاهد ونسمع، محور السلطة الفلسطينية، محور التفاوض بكل ثمن، ومحور الانحياز لصالح لعبة مشوهة في الساحة السياسة الإسرائيلية، المحور الذي يخاف للغاية أن يسجل له موقفا ولو واحدا واضحا وليس عاما ضد الحصار في غزة، لأنه لا يستطيع أن يتنازل عن رام الله، هذا المحور يجد نفسه هناك وفقط هناك في ملعب "اليسار الإسرائيلي" الذي يعتبره البروفسور الإسرائيلي شلومو زاند "كذبة كبيرة"، من يختار أن يلعب هناك سيجد نفسه مصطفا مع سلام فياض، صنيعة أمريكا كما يعرف أصغر ثوري في المنطقة، لكن حين يكون الخيار بين أن تكون مع طرف، حتى لو كان صنيعة أمريكية، وبين أن تحمل موقفا وطنيا لا تستطيع أن تحمله لأسباب سياسية يختار هؤلاء الوقوف مع "صنائع أمريكية" بلا تردد.