نحو مرجعية سياسية منظمة أو حزب الدولة الواحدة../ خالد خليل

خطورة التبعية السياسية، المرتبطة والمتشابكة مع تبعية اقتصادية، تكمن في تحولها إلى تبعية ثقافية ليس فقط على مستوى النخب أو الفئات التابعة، وإنما أيضًا عندما تتمدد وتتسع لتشمل قطاعات لا بأس بها من الجمهور، التي تصبح بحكم المصلحة مرتبطة بتلك الفئات ارتباطًا لا فكاك عنه، بعدما يطال القهر والاستلاب والتهميش كل تفاصيل الحياة ابتداءً من اعتزاز لقمة العيش والقدرة على سداد الرمق، وحتى هز الثقة بالنفس والعقل والانتماء والهوية وكافة القيم النضالية الأخرى المرتبطة بذلك.

كما يبدو فإنّ المخطط الإسرائيلي الأمريكي على الساحة الفلسطينية نجح بإغواء شريحة فلسطينية أوسع من النخب السياسية التابعة للمشروع الأمريكي التي تضم الثلاثي: فياض، عباس ودحلان ليتشكل جراء هذا المخطط قطاع نفعي فريد من نوعه، ينعم جزء منه بحصة الأسد، في حين يقتات القسم الأكبر من فتات هذه المعونات.

ويشمل هذا القطاع كثيرًا من المؤسسات والجمعيات القديمة والحديثة التي تتلقى دعمْا مباشرًا من صناديق الدعم الأمريكي والأوروبي المدعومة من حكومات هذه الدول.

من اللافت أن هذه المساعدات أو الهِبات لم تعد كما كانت في الماضي مشروطة ضمنيًا بتنفيذ أو تبني سياسات مقبولة على المؤسسات الداعمة، وإنما أصبحت مشروطة بشكلٍ مباشر وصريح بالتخلي عن أي نشاط يصنف من قبلها على أنه "إرهابي". وطريقة الإغواء لا تخلو من الخبث حيث لا يوضع هذا الشرط داخل نماذج طلب المعونة، وإنما تقدم الطلبات وتفحص، وتعقد اجتماعات مع مندوبي المؤسسات الداعمة، ويتم اتخاذ قرار بالدعم ثم يحضر الشيك الأول ويحدد موعد التسليم وفي هذا الموعد يكون الشيك مرفقًا مع وثيقة يجب التوقيع عليها وهي ما يعرف بوثيقة مكافحة الإرهاب، وتتضمن بنودًا تعتبر أي مقاومة عنيفة أو التحريض عليها "إرهابًا".

يطلب المندوب من مسؤول الجمعية أو المؤسسة أن يوقّع مطمئنًا إياه أن ذلك إجراء روتيني، وأن هذه الوثيقة وقع عليها جميع الوزراء في السلطة الفلسطينية، فلا داعي للقلق أو للتوجسات المبدئية!!!

من يخطئ ويوقّع لأول مرة، ينتقل مباشرة إلى ذاك القطاع المتهادن شاء ذلك أم أبى، ورويدًا رويدًا يستبدل خطابه الوطني النزيه بخطاب أكثر ليونة ليبرر فعلته لنفسه أولاً وللمحيطين به ثانيًا، فيصبح بالتالي مسوّقًا للخطاب التهادني المساوم على الحقوق والمبادئ، ويزداد هذا التهادن شدة كلما اقترب موعد الشيك الثاني، وهكذا دواليك!!

في الواقع هناك مشكلة اقتصادية كبيرة في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، حيث تكاد تخلو هذه المناطق من أي إنتاج يذكر، باستثناء بعض الصناعات الخفيفة والأغذية والمشروبات، ولفيف من الشركات والمؤسسات والوكالات الاقتصادية التي تعود ملكيتها لأصحاب الملايين الذين جنى قسم كبير منهم ثروته في الغالب نتيجة علاقات سياسية مشبوهة مع الأمريكيين أو الأوروبيين، مثال ذاك المليونير المعروف المنحدر من أصل نابلسي، وتقدر ثروته بعشرات المليارات والذي فاز ليس بالصدفة بمناقصة تزويد الجيش الأمريكي في العراق بوجبات الأغذية اليومية والتي تقدر عائداتها بالملايين يوميًا.

هذه الشريحة فاحشة الثراء والتي يعيش معظم أفرادها خارج فلسطين، لا تقدم شيئًا يذكر للاقتصاد الفلسطيني المحلي، اللهم إلا بعض المشروعات الصغيرة لاستكمال دائرة العلاقات العامة.

بالطبع يمكن إيراد عدد لا بأس به من الأمثلة ضمن هذه الشريحة، لكن هذا الأمر ليس بذي أهمية، والقضية الأكثر حساسية هو تشكل الطبقة الطفيلية على الإنتاج في ظِل علاقات إنتاج تعتمد بغالبيتها العظمى على الاقتصاد الخدمي المكبل بتضييقات لا حصر لها مِن قبل الاحتلال الإسرائيلي والأسير لقرارات وشروط الدول المانحة.

لذلك كان من الطبيعي إن ينشط ويبرز ذاك القطاع النفعي الذي يستمد قوته وحمايته من السلطة الوطنية الفلسطينية صاحبة المصلحة في ترويج ثقافة التهادن والمساومة وترسيخ النزعات الإذعانية ومحاولة إسقاطها على الطبقات الفقيرة في المجتمع الفلسطيني. وقد رافق هذا البروز حالة شديدة من القمع الذي تمارسه أجهزة الأمن الفلسطيني ليس فقط ضد نشطاء المقاومة، وإنما أيضا قمع فكري وثقافي لم تعرفه الساحة الفلسطينية من قبل، حيث لا تتورع هذه الأجهزة عن سجن من يكتب مقالاً ينتقد السلطة الوطنية أو يدعو إلى مقاومة الاحتلال (بالمناسبة لم يكن اعتقال عبد الستار قاسم حدثًا فرديًا)، هذا ناهيك عن الوشاية ضد المطلوبين لإسرائيل والتي أصبحت نمطًا للسلوك اليومي لها، ضمن ما يعرف بالتنسيق الأمني مع إسرائيل.

وإذا ما عرفنا أن عددًا كبيرًا من المتطوعين الأجانب في الضفة الغربية، الذين يقومون بأنشطة ثقافية داخل المدن والمجمعات الفلسطينية، هم من ذوي الخلفيات الاستخباراتية الأمريكية والأوروبية، ومؤخرًا المصرية، ويقبضون على مفاتيح تدفق الأموال إلى الساحة الفلسطينية والتي يستخدم قسم كبير منها لشراء الذمم وتجنيد الوكلاء، عندها نفهم مدى خطورة الوضع الذي تعاني منه الساحة الفلسطينية، ونستطيع أن نفهم أسباب التراجع والانحسار في المستوى الكفاحي الشعبي في الضفة الغربية، حتى في أعقاب مجزرة كبيرة كالتي حدثت في غزة جراء العدوان الإسرائيلي والتي سقط ضحيتها ما ينيف عن 1500 شهيد وخمسة آلاف جريح.

هذا الانحسار والتراجع الكفاحي الشعبي متلازم مع استنكاف واضح للنخب السياسية المناضلة، حتى تلك التي لا تباع ولا تشترى، عن خوض النضال المعارض لسياسة السلطة، ويأتي استنكافها إما إحباطًا أو تحسبًا من الوشاية وتصفية الحسابات، إلى درجة أصبح يخاف معها مثقفون من إبداء رأيهم إلا في غرف مغلقة.

طبعًا هذا الوضع لا ينسحب على قطاع غزة وفلسطينيي الشتات وفلسطينيي الخط الأخضر، وإنما تتفرد به الضفة الغربية، حيث تسيطر السلطة الفلسطينية سيطرة شبه تامة على الوضع بدعم وغطاء إسرائيلي وأمريكي.

في ضوء هذه الحالة البائسة والخطيرة، يصبح أي كلام عن الوحدة الوطنية لا معنى له وفارغًا من أي مضمون، ذلك أن فريق السلطة حسم أمره نهائيًا كتابع للمشروع الأمريكي، ولا يرعوي عن تسويق ثقافة الإذعان والهزيمة ومحاربة جميع مظاهر المقاومة والممانعة الوطنية، ضاربا بعرض الحائط ما يسمى بالثوابت الفلسطينية.

وبهذا المعنى أيضًا لا فائدة من تكرار الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ما دام يقودها فريق السلطة المذكور، علاوة على أزمتها الدائمة منذ أن دخلت في مسار التسوية وانحصار دورها منذ ذلك الوقت في تمثيل أجزاء من الشعب الفلسطيني وليس كل الشعب في كل أماكن تواجده.

إن الحالة الفلسطينية اليوم شبيهة جدًا بالحالة اللبنانية من حيث انقسام الشارع الفلسطيني إلى محورين: الأول مع المقاومة ورفض المشروع الأمريكي والثاني تابع له. هذا مع استثناء أن وضع المقاومة الفلسطينية أضعف بكثير من نظيرتها اللبنانية، ففي حين استطاع حزب الله قيادة التيار المُعارِض والمقاوِم وتعميق الفرز على الساحة بشكلٍ منظم ومرجعية واضحة لها آلياتها مع تحكم في دينامكيتها وبرامجها، فشلت حماس بفعل ذلك على الساحة الفلسطينية وساهمت بشكلٍ أو بآخر في حالة الفصل السائدة بين الضفة وقطاع غزة (وإن يكن السبب الرئيسي في ذلك الاحتلال الإسرائيلي والمؤامرة العربية والأمريكية)، مما أضعف دورها في الضفة الغربية، ومما يجعلها اليوم تتعامل مع موضوع التسوية بلغة وخطاب لا تنعدم منهما التنازلات.
لسنا بحاجة إلى تحليلات مستفيضة حول أن التسوية المطروحة حاليًا لن تؤدي إلى سلام عادل وأنها ستفضي في أحسن الأحوال إلى دويلة مقطّعة الأوصال ومنزوعة السيادة وتنازلات خطيرة في موضوع القدس وحق العودة. ولا يلوح في الأفق وجود بوادر خير لأي مبادرة جدية تستند إلى مبادئ "العدل النسبي"، حتى بعد خطاب أوباما في القاهرة وما تضمنه من تصريحات ومواقف متقدمة قياسًا بخطاب ومواقف الإدارة الأمريكية السابقة، لأنها تظل أسيرة استراتيجيات كبرى للولايات المتحدة التي ما زالت مؤسسات الدولة وأجهزتها تتمسك بها، خاصة تلك المتعلقة بأمن إسرائيل ومصالحها وتفوقها في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يتناقض مع لهجة "الاحترام المتبادل" الأوبامية ويضع نزاهته المفترضة موضع الشك.

إضافة إلى ذلك فإنّ سياسة إسرائيل نفسها كانت وستبقى عاملاً أساسيًا في انسداد أفق التسوية، وهذه حقيقة لا ينقضها عاقل.

في ظِل هذا الواقع كان لا بدّ من أن تطرح حلول بديلة وعلى رأسها حل الدولة الواحدة، الذي تناولته النخب الفلسطينية والعربية من زوايا وصيغ مختلفة على غِرار دولة ثنائية القومية، أو دولة ديمقراطية علمانية أو اتحاد فيدرالي، وغير ذلك.

ما ميّز طرح الدولة الواحدة رغم اختلاف الصيغ هو افتقاره لآليات ومرجعيات سياسية وتنظيمية.
من الوجهة التاريخية يعني حل الدولة الواحدة رفض المشروع الصهيوني في فلسطين، وبالتالي يعني رفض المقدمات التاريخية لهذا المشروع من سايكس- بيكو وحتى وعد بلفور، أي أنه رفض لمشروع التجزئة الاستعماري للوطن العربي، على اعتبار أنّ إنهاء المشروع الكولونيالي هو شرط ضروري لتحقيق النهضة والوحدة العربية.

إذن مشروع الدولة الواحدة كمشروع فلسطيني أولاً وعربي ثانيًا هو المشروع المضاد للمشروع الاستعماري في المنطقة بكل تجلياته، خاصة إذا تمّ التأكيد على بعده الديمقراطي بما في ذلك حل المسألة اليهودية على أسس ديمقراطية منصفة.

باعتقادي إن تجاوز الشعاراتية بمشروع من هذا النوع لن يتم بدون بناء الآليات والمرجعيات السياسية والتنظيمية المناسبة على المستوى الفلسطيني (حتى وإن كانت آليات التحقق لا تكتمل بدون البعد العربي والإقليمي).

والمقصود بالمرجعية السياسية والتنظيمية حزب سياسي فلسطيني يتبنى مشروع الدولة الواحدة ويضم في صفوفه كل فلسطيني يصنّف نفسه في محور المقاومة والممانعة المناهض للمشروع الاستعماري في فلسطين والمنطقة، ويتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية أي انه يشمل كافة ساحات العمل الوطني الفلسطيني في الداخل والأراضي المحتلة منذ عام 1967 والشتات الفلسطيني، ولا يلغي التحزبات القائمة وخصوصية برامجها المحلية.

إن التحزّب على أساس سياسي بات ضرورة موضوعية للشعب الفلسطيني خاصة في ظِل الانتماءات المتناقضة التي أصبحت غير قابلة للتعايش أمام التحديات التي يطرحها المشروع الاستعماري.