نحتاج إلى هيئة عُليا فوق الأحزاب والأيديولوجيَّات

نحتاج إلى هيئة عُليا فوق الأحزاب والأيديولوجيَّات

سهيل كيوان

تُحاول السُّلطة العودة بالعرب في البلاد، إلى أيام الحكم العسكري، إلى نظام القمع والتخويف. ها قد حكموا على الشيخ صياح الطوري بالسجن الفعلي ثمانية أشهر، لرفضه عملية التهجير والاقتلاع من أرضه في العراقيب، وترتفع أصواتٌ لسنِّ قانون السجن لمدة عام لمن يرفع العلم الفلسطيني، ويأتي هذا بعد مناداة بعض القيادات العربية إلى عدم رفع العلم الفلسطيني في مظاهرة تل أبيب الاحتجاجية على قانون القومية، بدعوى عدم استفزاز اليسار اليهودي، بل ذهب نشطاء حزبيون إلى العادة القديمة، ونعتوا من رفع العلم الفلسطيني بالخيانة الوطنية، وقد علمنا أن بعضهم حاول إقناع الشيخ الطوري بالتنازل والرحيل عن أرضه مُقابل ألّا يُسجن، وأن يُتاح له زيارة أرضه بين حينٍ وآخر، أي الاستسلام والاعتراف بها بلدًا مهجّرة، ولكنه رفض هذا العرض.

وبعد قانون العَلَم الذي سيُسنُّ قريبًا، سيأتي دور تحريم الرموز الأخرى؛ الأغاني والفنون والأدب والمسرح واستخدام كلمة فلسطين في مناطق 48، ثم فرض عقوبات، وحجب ميزانيات عن مؤسسات وفرق تُقدِّم أعمالًا فنية تتطرق إلى القضية الفلسطينية برؤية لا تتفق مع جوهر الرؤية الصهيونية، أي أنه سيُحرّم عليهم التطرق إلى كل ما يتعلق بنكبة الشعب الفلسطيني، إلا من زاوية رؤيتهم.

يعني أن السلطة تريد استسلاما تاما لضحاياها، دون أي مقاومة تُذكر في الداخل أو في الخارج.

وكي تضمن خضوعنا التام فهي تريدنا جمهورًا مُفكَّكا، وعنيفا في مواجهة بعضه البعض، فهي تُغذِّي هذا التوجه، بحيث يلجأ الناس إلى البحث عن خلاص فردي، بعيدًا عن العمل الجماعي المُنظَّم.

وقد حاولت السلطات توجيه نقمة الجمهور العربي وغضبه وإحباطاته إلى مُمثلي الجمهور العربي، وذلك من خلال زعمها بأن هؤلاء لا يعملون شيئا لأجل ناخبيهم، وتُحمِّلُهم مسؤولية وضع الجماهير العربية المتردي يومًا بعد يوم، حتى صار البعض يُردّد بمناسبة وبغير مناسبة، بعد كل حادثة عنف أو حادثة طرق أو سطو أوهدم؛ "أين الأحزاب والقيادات العربية؟"، وماذا فعلت لنا القيادات العربية؟ إلخ... يُرددها كثيرون كلازمة، يعلّقون عليها قِلَّة حيلتهم وضعفهم وكسلهم وتخاذلهم، ولإعفاء أنفسهم من تحمل المسؤولية إزاء أنفسهم ومجتمعهم.

جميعنا نُدرك أنه لا قدرة للأحزاب العربية على تمرير أو منع أي قانون جوهري، إذ بات تأثيرها أكثر هامشية مما كان، وفقط في مواضيع شكلية وسطحية لا تقترب من الجوهر، رغم محاولات النواب العرب تضخيم إنجازاتهم، إلا أنها في المُحصِّلة، لا تكاد تُذكر، وليس عليهم ملامة في ذلك، فهذا ليس ذنبهم، ولعل إنجازهم الأهم هو إطلاع قوى عالمية على ما جرى ويجري، وهذا سيُواجه قريبًا بقانون يعتبر التوجه إلى الهيئات الدولية تحريضًا على الدولة وخيانة لها، يعاقب القانون عليها.

لن تكتفي السُّلطات بنزع الشرعية عن ممثلي المواطنين العرب، فهي تسعى أيضا لنزع الشرعية عن المواطن نفسه لأنه ينتخب هذه القيادة. بالتالي تسعى لتبرئة نفسها وتحميل المواطنين العرب مسؤولية أوضاعهم المتردية، وهذا ما تُردِّده الأكثرية اليهودية كالببغاوات.

من ناحية أخرى، أسهَم مُمثلو الجمهور العربي ببناء الصورة السلبية عنهم، فروح العطاء والإيثار تراجعت في الأحزاب والحركات، وشوّه بعضهم نضالَ ودورَ بعضهم، وقبل أن يلعب في ملعب السلطة عندما حرّض على رفاقه في محطات وطنية وقومية مهمة مثل قضية باسل غطَّاس، والمناداة بعدم رفع العلم الفلسطيني في تل أبيب، وحاول بعضُهم تشويه شخصيات قيادية وتخوينها لأنها منافسة له، وتمسّك البعض بمقعد الكنيست، وبات مقدّسا يُمنع الحديث عن استقالته وفتح الطريق أمام غيره، وصار الوصول إلى الكنيست هدفًا بذاته لدى البعض، ولعبت المُماطلة في تسليم المقعد للتجمع بعد قضية غطاس دورًا كبيرا في عملية التشويه، ووصل الأمر بالبعض إلى تشويه صورة المختلف لدرجة تحميله مسؤولية تطرُّف السلطة وفاشيتها، الأمر الذي أضرَّ بمصداقية الأحزاب إلى حد بعيد.

بعد قانون القومية فكان على أعضاء الكنيست الانسحاب من هذه المؤسسة أو تجميد عملهم إلى أجل غير مسمى، وكان عليهم أن يبلوروا توجُّها نضاليا جديدا وحيويا، ولكنهم أخفقوا في هذا الامتحان، ويُصرّون على مواصلة محاربة العنصرية بالأدوات القديمة نفسها التي أثبتت فشلها على مدار سبعة عقود.

لقد أصبحت جماهيرُنا بحاجة إلى هيئة عليا جامعة لا تُدار قراراتُها بحسب التوجهات الحزبية الضيقة، بل نُريدها هيئةً تقود حركةً شعبيةً كفاحيةً، واضحةَ الهدف؛ لإسقاط النظام الكولونيالي برُمَّته، مثلما أُسقط النظام العنصري في جنوب أفريقيا، يقودها مناضلون من خارج "دفيئة" الكنيست، وبعيدًا عن التعصُّب الحزبي الأعمى، وأن يكونوا جاهزين لدفع ثمن المواقف. نريد هيئة تجمَعُ تحت رايتها، كل مركبات شعبنا المعرّض للتهجير وحتى الإبادة، وترتقي بالنضال إلى مستويات جديدة على قدر التحدّيات، وأن يكون لها فروع في كل بلدة وبلدة، ومن كل أطياف المجتمع، وبلا شك سيكون لهذه الهيئة العليا تواصلٌ مع قيادات الحراك الشعبي في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، ومع القوى الدولية المُناصِرة لقضية شعبنا، والقوى اليهودية المستعدة للعيش المُشتَرَك في دولة ديمقراطية واحدة لجميع مواطنيها من البحر إلى النهر، وإلا سوف نُواصل الدوس في مكاننا دون نتيجة تُذكر، بل سنُواصل التراجُع والتدهور من سيّء إلى أسوأ.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018