لماذا يُترك جيرمي كوربين وحيدا!

لماذا يُترك جيرمي كوربين وحيدا!

عوض عبد الفتاح

لماذا يترك الفلسطينيون قائد حزب العمال البريطاني وحيدا في مواجهة الحملة الشرسة والمستمرة على مدار اللحظة التي يقودها اللوبي الصهيوني؟ لماذا لم يصدر بيان واحد رسمي من أي مؤسسة فلسطينية رسمية أو غير رسمية من داخل فلسطين، سواء ممن "يحكم" في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، أو من الهيئات التمثيلية أو الحزبية داخل الخط الأخضر؟ أليست المواجهة هي عن فلسطين، ولكن على الأرض البريطانية؟

ليس متوقعا من سلطة رام الله أن يخرج منها موقفٌ رسميّ، إذ إن أجندتها مختلفة، وجلّ دبلوماسيتها مختزلةٌ في تحقيق اعترافات بدويلة فلسطين، غير القائمة، وهي الاعترافات التي ُيراد منها رمزيّتها، أكثر منه فاعليتها في مقاضاة إسرائيل، وبالتالي هي تنأى بنفسها عن التفاعل مع المجتمع المدني، والأوساط الشعبية الدولية التي تناصر شعب فلسطين. فأين الفصائل والحركات الفلسطينية الأخرى، وخاصة ما تبقى من يسار؟ أليس هذا قصورا وفشلا في إدراك المعنى الحقيقي للحملة التي يخوضها اللوبي اليهودي الصهيوني، في بريطانيا ومن ورائها حكومة الأبارتهايد الإسرائيلي؟ وفِي إدراك واجب وأهمية الانخراط في هذه المعركة الإعلامية والسياسية؟ لماذا لا تبادر هذه الفصائل التي بات وجودها شكليا في منظمة التحرير الفلسطينية، في دفع المنظمة إلى تبني حملة مساندة ودعم لهذا الرجل الذي يستنهض اليسار داخل حزبه في مواجهة اليمين والصهاينة، أو على الأقل ضد اللوبي الصهيوني وتشويهاته، التي لا تطال موقف الرجل فحسب، بل أيضا مكانة وعدالة القضية الفلسطينية؟

لم يخبُ أثر الصدمة التي سببها فوز جيرمي كوربين، برئاسة حزب العمال، في خريف 2015، للقوى السياسية، اليمينية داخل حزب العمال، ولأصدقاء إسرائيل، ووسائل الإعلام المدعومة من الشركات الكبرى (corporate) المنحازة والمحرّضة ضده، بمنهجية. وتعمقت هذه الصدمة بعد تحقيق حزب العمال برئاسته نتائج مفاجئة في الانتخابات العامة الأخيرة، على خلاف ما توقعه هذا التحالف بأن الحزب سيتحطم في هذه الانتخابات، فازدادت شراسة هذه القوى التي باتت تشكل تحالفا منسقا غير مقدس ضد كل ما يمثله كوربين من قيم المساواة ومناصرة الشعوب.

كانت، في البداية، مادة الهجوم، التي استخدمها التيار اليميني داخل حزب العمال ووسائل إعلام الشركات، ضد كوربين تبنيه الاشتراكية، ومبدأ إعادة توزيع الدخل وموارد الدولة بطريقة تنصف الطبقات الضعيفة، وهذه القيم تهدد هيمنة المنظومة النيولبرالية غير العادلة على النظام السياسي البريطاني.

وعندما جلبت هذه الحملة العدوانية نتائج معاكسة، إذ نجح كوربين في استقطاب المزيد من الأجيال الشابة، ومن داخل النقابات العمالية، صعّد اللوبي الصهيوني في بريطانيا وبالتنسيق مع التيار اليميني داخل حزب العمال، ومن ورائه حكومة إسرائيل، من حملة اتهام كوربين باللاسامية. وتلاحقت واتسعت بصورة غير مسبوقة ضد أي قائد يساري في أي دولة أوروبية. وكانت من نتائج هذه الحملات أنه بدأ يخفف من لهجته تجاه الصهيونية، التي يحمل، في الأصل، إزاءها موقفا مناهضا، باعتبارها حركة عنصرية استعمارية، ولكن دون أن يتراجع عن إدانة جرائم إسرائيل وعن تأييده الراسخ تجاه الحق الفلسطيني. ويأخذ بعض أصدقائه، من الفلسطينيين واليهود على حدٍ سواء، عليه خضوعه ولو جزئيا لضغط هذه الحملة. ونصحوه بأن يبقى متماسكا إزاء همجية هذا التحالف اليميني الرجعي الاستعماري.

من نافل القول إن كوربين مناضل يساري منذ بواكير شبابه، يحمل فكرا اشتراكيا، ومناصرٌ للشعوب المقهورة، ومسانٌد مثابرٌ ومبدئي لقضية فلسطين، ولنضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر. ويتمسك بقيم اليسار، اليسار الجديد، وفي مقدمته؛ العدالة الاجتماعية، والمساواة بين الأفراد وبين الشعوب ومناهض للاستعمار والاحتلال والاستبداد وكافة أشكال الظلم. ولذلك يصح وصفه باليساري الأخلاقي والواقعي.

يتسق منطق اليساري الحقيقي إلا مع هذه القيم والمبادئ التي تحترم كرامة الإنسان، وحقه في الحرية والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ومناهضة كل أشكال الاستبداد والطغيان. ولذلك، فإن الحملة العدوانية ضده هي حملة ضد فلسطين، وشعب فلسطين ونضاله العادل. وهي أيضا حملة دفاع عن إسرائيل، وعن سياساتها وجرائمها، وعن تحالفاتها العالمية النيولبرالية، وهي التحالفات المسؤولة عن سياسات التوسع والنهب، والحروب الاستعمارية والجرائم بحق الشعوب الفقيرة، منذ قرون.

ولم يكن للصهيونية أن تنجح في احتلال واستعمار فلسطين بدون هذا التحالف الرأسمالي الاستعماري، ولم يكن للقيادة الستالينية الدموية والمنحرفة أن تقدم الدعم السياسي والعسكري للحركة الصهيونية عشية حرب عام 1948، لولا الأمر الواقع أو ميزان القوى الجديد الذي أنتجه هذا التحالف الاستعماري الغربي لصالح الصهيونية في فلسطين.

وبالتالي، فإن المدخل الصحيح إلى فهم متطلبات المعركة ضد نظام الأبرتهايد الاستعماري في فلسطين يبدأ من فهم هذه الارتباطات العالمية، المصلحية الآنية والإستراتيجية. هذا هو الفهم اليساري الأصيل لقضية فلسطين، كقضية استعمار كولونيالي، وليس قضية حركتين قوميتين تتنازعان على أرض مشتركة. وهذا الفهم هو الذي كان سائدا موجها للحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها إلى حين تورطها في اتفاقية أوسلو.

وفِي إطار هذا الفهم، وفِي ظل تفكك الحركة الوطنية الفلسطينية بحلتها الأصيلة، وتحوّل الثوار السابقين إلى حراس للاستعمار الصهيوني، أعادت حركة المقاطعة الوطنية (BDS) إحياء هذا الفهم الأصيل، اليساري الديمقراطي، إلى الحياة، وهي تمارسه بمنهجية ومثابرة منذ عام 2005، وبالتحالف مع أحرار العالم من أنصار قضية فلسطين، محققة إنجازات مبهرةً في مجال إعادة بناء حركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني التي كانت إحدى ضحايا كارثة أوسلو.

ولهذا يمكن فهم قصور النظام السياسي الفلسطيني، والطبقة السياسية التي أنتجها مشوّهةً، ومهزومةً، في توفير الدعم الصريح والمساندة الفعلية لنضال كوربين وتياره اليساري، ضد حملة التشويه الواسعة وغير الأخلاقية، التي يتعرض لها، والتي انضم إليها مؤخرا بنيامين نتانياهو شخصيا، رئيس حكومة الأبارتهايد. فمن أوجه المأساة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، وليد أوسلو، أنه بات فاقدا لمنظومة الأخلاق التحررية التي من المفروض أن تحملها حركة وطنية تحررية وتُجدد التمسك بها، وتُجسد العلاقة السليمة مع الشعب في مواجهة نظام استعماري متوحش.

يدرك اللوبي الصهيوني، وإسرائيل نفسها، أن كوربين لم يكن يوما من الأيام عنصريا ضد اليهود، بل هو مناهضا مثابرا ضد اللاسامية. إن الذي يقلق نظام قادة الاستعمار الصهيوني، هو موقفه من القضية الفلسطينية، وإمكانية أن يفوز هذا التيار اليساري برئاسة حكومة أهم الدول الأوروبية المساندة للحركة الصهيونية، ومن ـن ينتقل هذا النموذج إلى دول أوروبية أخرى. ومن هنا تنبع أهمية وضرورة انخراطنا نحن الفلسطينيين في المعركة الإعلامية والسياسية والأخلاقية التي يخوضها كوربين وتياره اليساري، وبطبيعة الحال مع جميع التيارات اليسارية والديمقراطية المبدئية في عموم أوروبا وأميركا ضد حملات التشويه الصهيونية. إنها امتداد لمعركة فلسطين على الساحة الدولية.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018