25 عامًا على أوسلو... كفى

25 عامًا على أوسلو... كفى

عوض عبد الفتاح

حلّقت الطائرة على علوٍ منخفضٍ جدًا عدة مرات فوق العاصمة اليونانية، أثينا، وكنت أخالها تصطدم بقمم الجبال الشاهقة الجرداء، وذات اللون الرمادي. تبيّن لاحقًا أن السبب زحمة حركة الطيران. لم تكن أثينا سوى محطة مرور لطائرتنا التي جاءت من العاصمة النمساوية، فيينّا.

كنت أنا وصديقي المرحوم صليبا خميس، الشيوعي، المطرود من حزبه على خلفية مواقفه النقدية، عائدين من مؤتمر المنظمات الحكومية السنوي حول القضية الفلسطينيّة برعاية الأمم المتّحدة إلى الوطن. لم تكن الظروف السياسة الفلسطينية والعربية والإقليمية مواتية بالنسبة لقضية فلسطين، إذ إنّ الإدارة الأميركيّة باشرت باستثمار عدوانها الوحشي على العراق عام 1991، لتمرير تسوية لـ"الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، من خلال ما عرف بمؤتمر مدريد، مستغلة انعكاسات العدوان الإمبريالي الوحشي على ميزان القوى، لصالح القاعدة الاستعمارية الغربية، إسرائيل.

وقد كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أذهلت العالم، لا تزال فيها حياة، وقابلة للتجدد والنهوض. وهذا تحديدا ما كان يُبقي أمالنا حيّةً، ويحفظ حافزية النضال والعمل السياسي. لذلك، وبعد لقاءاتنا بالوفود الدولية من مؤيدي القضية الفلسطينية، وكذلك وفود عربية شعبية وفلسطينية، شاركت في المؤتمر عدتُ بهمّةٍ أكبر وبتحفّزٍ لمواصلة الدرب مع رفاقي، وأبناء شعبي.

لكن، في المطار، تناول صديقي صليبا، الذي كان يكبرني آنذاك بعشرين عاما، من كشك الصحافة جريدة عربية، ربما جريدة "الحياة"، فوقف يقرأ العنوان الرئيسي. تبدّلت لهجته، وملامح وجهه وهو يقرأ العنوان الرئيسي، ولكن، دون أن يخرج عن هدوئه، إذ أثار فيه الخبر حيرة أكثر من ردّ فعل. أمّا أنا وعندما قرأت الخبر بالتفصيل، أصبتُ بالصدمة، وصدرت مني ألفاظٌ قاسية على القيادة الفلسطينية مثل "استسلام وخيانة"، قال الخبر وبالمختصر، إنّ اتفاقًا وُقع بين منظمة التحرير وإسرائيل، لإقامة حكم ذاتي يبدأ في غزة وأريحا.

كانت صدمتي متأثرة بالأيديولوجية التي حملناها، في حركة "أبناء البلد"، التي كانت مرتبطة، إستراتيجيًا ومعنويا، بهدف منظمة التحرير الفلسطينية الأصلي: تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية. بطبيعة الحال، كانت هذه صدمة غالبية القوى الوطنية الفلسطينية، اليسارية، وأوساط واسعة في حركة فتح. ولاحقًا كان مفاجئًا، بل محبطا، بشكل خاص، تمرير اتفاق أوسلو فلسطينيًا بسهولة بالغة، ودون مقاومة حقيقية من فصائل اليسار سوى البيانات الرافضة له، رغم أنها لم تُسْتَشَر وفوجِئَت به كما فوجئ الإنسان العادي. ووجدتُ لاحقا تصريحا أو موقفا للمفكر الفلسطيني الأميركيّ، إدوارد سعيد، يعتبر الاتفاق استسلامًا مهينا، بل يصفه باتفاقية فرساي الشهيرة.

كارثة أوسلو وأزمة البديل

بعد 25 عامًا على اتفاق أوسلو، نجد أنفسنا أمام كمٍّ هائل من الردود التقليدية، تتراوح بين الهجاء والشتائم إلى الكتابات النقدية التقليدية التي لا تخرج من خانة اللغة السياسية المبتورة التي أنتجها أوسلو والأهداف التي حدّدها، إلى الكتابات والاجتهادات النقدية الجدية والجذرية التي تدعو إلى نسف القاعدة النظرية والأخلاقية التي استند إليها، وهذه الأخيرة تستحضر الخطاب الكولونيالي لإعادة تحليل الكيان الإسرائيلي، باعتباره كيانا عنصريا وكولونياليا استيطانيا قام على حساب شعبٍ أصلي وشرّده. ورغم مرور عقدين ونصف حتى الآن، إلا أن البديل لم يولد بعد، مع أن الحاضر يحتضر منذ زمن طويل، إذا ما استعرنا كلمات أنطونيو غرامشي، المفكر اليساري الإيطالي.

ومنذ أكثر من عقد تعقد المؤتمرات والأيام الدراسية وتصدر الكتب والمجلات الدورية واللقاءات في الداخل والشتات، وفي الدول الأجنبية، دون أن ينتج مشروع عملي يكون بديلا عن الثنائية الفتحاوية-الحمساوية، تحمله الأجيال الجديدة، من أجل النهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني، والمضي في طريق جديد يوصلنا إلى التحرير والحريّة أو يستعيد الأمل بمستقبلٍ أفضل ويستعيد الثقة بأنفسنا وبمصادر قوتنا. وحتى على الصعيد النظري، لا تزال النخب مختلفة حول طبيعة المشروع المطلوب الآن، مع أنّها متفقة أن حل الدولتين بات بعيدًا وبعيدًا جدًا، ولا زال آخرون يعتقدون أن هذا الحل مات وشبع موتا. هناك من يقول إنه ليس من المطلوب أن يطرح الشعب المستعْمَر على المستعْمِر حلًا، وأن المطلوب إدارة الصراع إلى حين تغيير ميزان القوى، عن طريق استعادة وحدة الشعب الفلسطيني وروايته التاريخية وتفعيل الحقل الثقافي، خاصة في ظل تشظّي الحقل السياسي وتهتّك النظام السياسي الفلسطيني الرسمي. وهناك من يقول إن الأوان آن لاستعادة جذور الصراع، الذي يعود إلى عام 1948، وليس عام 1967، و تبني حل الدولة الديمقراطية الواحدة في كل فلسطين التاريخية، باعتبار أن هذا الحل هو المشروع الوطني الديمقراطي الذي يُوحّد أهداف كل تجمعات الشعب الفلسطيني، ويقدم خطابًا أخلاقيًا، ينص على العيش المشترك في مساواة تامة، على أنقاض المشروع الصهيوني الإجلائي، والعنصري.

لم يكن أوسلو بلا مشاريع مضادة ولكنها لم تكتمل

حفَّز أوسلو على ولادة مبادرات ومشاريع مقاومة مختلفة في الأسلوب والمضامين والأهداف. ولكن جميعها جاءت من خارج البنية الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أضحت هيكلا فارغا يثير الحزن والكآبة.

وفِي رأيي، يمكن تلخيص هذه المبادرات والردود في ثلاثة مبادرات أو ردود فعل عملية رئيسية. الأولى جاءت من حركة المقاومة الإسلامية - حماس، التي اعتمدت العمليات الاستشهادية لإفشال أوسلو، خاصة بعد إقدام المجرم غولدشتاين على تنفيذ مذبحة مروعة في المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1994.

ونظرًا للجدل الذي دار حول جدوى وشرعية العمليات الانتحارية، من ناحية أخلاقية وقانون دولي، وكذلك نظرًا للأيدلوجيا الدينية التي تتبناها حماس، وغياب رؤية وطنية جامعة، مدنية وديمقراطية، فقد فشلت الحركة في تقديم بديل وطني للكل الفلسطيني.

المبادرة الثانية، وهي في اعتقادي من أهم المبادرات، والتي انطلق التحضير لها فورا بعد توقيع الاتفاق، هي تلك التي جاءت من داخل الخط الأخضر. لقد جاء الرد، ليس كرد فعل غاضب، وعابر، بل كمبادرة منظمة، ومشروع سياسي مدروس استغرق أكثر من عامين من التحضير، تمثل في إقامة حزب وطني فلسطيني، هو حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ترجمةً عمليّةً لصدمة أوسلو بالنسبة لفلسطينيي الـ48، لقد كان مفاجئا للمؤسسة الإسرائيلية أن يأتي الرد الأقوى على أوسلو من الفلسطينيين، الذين يعيشون تحت المواطنة الإسرائيلية. وبنفس القدر، كان مفاجئا للعرب وللفلسطينيين، خارج الخط الأخضر، أن يطلق الفلسطينيون، الذين نُظر إليهم في السابق كخونة من قبل أشقائهم مشروعًا مناهضا للصهيونية، بل أن يعلنوا عن استئناف تحدي الجوهر اليهودي الصهيوني لإسرائيل، بعد أن اعترفت به منظمة التحرير الفلسطينية، وقبلها، النظام المصري، عبر شعار دولة المواطنين، أي بعد أن أغلق أوسلو الباب أمام الكفاح ضدّ الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية استعمارية. ورغم كل ما يواجه حزب التجمع من تحديات خارجية، وصعوبات داخلية، فإنه لا زال يشكل الأرضيّة الأيديولوجية لتطوير مضمون المواجهة ضد نظام الأبارتهايد الكولونيالي، وفتح الاجتهادات النظرية والعملية نحو تعميم فكرة دولة المواطنين على عموم فلسطين التاريخية. وبالتوازي، هناك حراك من قبل فئات من الأكاديميين المميزين، وطلائع الأجيال الشابة داخل الخط الأخضر، يتمحور حول خلق بدائل تحررية، ديموقراطية، مستندة إلى الخطاب الكولونيالي.

والرد الثالث، جاء من الصفة الغربية، وهو تشكيل اللجنة الوطنية لمقاطعة وفرض العقوبات على إسرائيل، في رام الله عام 2005، بمبادرة المجتمع المدني. لقد تمكنت هذه المبادرة من الانطلاق والصعود، رغم العراقيل التي كانت سلطة رام الله تضعها أمامها، وهي تزداد اليوم صلابة وقوة، ورغم استنفار نظام الأبرتهايد الصهيوني ضدها، واستثمار أموال هائلة للحد من نفوذها.

وإذا أضفنا إلى المبادرتين الأخيرتين، مجمل اللجان الشعبية، مثل لجان مقاومة الجدار، ومقاومة هدم البيوت، ولجان العودة، والحراكات الشبابية المختلفة، والمنابر الإعلامية، والبحثية، التي تعيد إنتاج المشروع الوطني الفلسطيني الذي فرّطت به سلطة رام الله، وكذلك وجود ستة ملايين ونصف فلسطيني في وطنهم، نستطيع القول إن نواة المشروع الوطني البديل قائمة، وتنمو. ولكن السؤال كيف ومتى يمكن تأطير كل هذه الأطر واللجان والمبادرات في جسم سياسي شعبي فاعل وقادر على أن يشق طريقه على أنقاض الانقسام الفلسطيني، وعلى أنقاض التجزئة التي كرّسها وولدها أوسلو، بتواطؤ الطبقة السياسية الحاكمة، التي تحولت إلى ناطور للاستعمار، وهدمت الوعي الوطني التحرري.

مرت 25 عامًا على هذه الكارثة التي تولد كل يوم كوارث متفرعة، وربما أخطرها ما لحق من تصدع بالرواية التاريخية، أي بالوعي أنّنا شعب واحد، وأننا نخوض نضالا تحرريا من نظام استعماري، وليس نزاعًا سياسيًا، أو على حدود مع دولة جارة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018