هزيمة مؤجلة

هزيمة مؤجلة

رامي منصور

نشر هذا المقال في ملحق "فلسطين" في صحيفة "العربي الجديد" بمرور 24 عاما على توقيع اتفافيات أوسلو، ونعيد نشره هنا بمرور ربع قرن على التوقيع، نظرًا لراهنية الادعاءات التي وردت في المقال.


بعد أربعة وعشرين عاما على توقيع اتفاقيات أوسلو يمكن الجزم أن هذه "العملية" كانت محاولة فلسطينية لتأجيل إعلان هزيمة الحركة الوطنية الفلسطينية، نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية، منها انهيار القطب الشرقي الاشتراكي وأفول عصر حركات التحرر العالمثالثية وحرب العراق وغيرها.

أما العوامل الذاتية، فهي تعود إلى خروج منظمة التحرير من الأردن وانتقال مركز ثقلها إلى لبنان، وبدء الحديث مع الأميركان، المعلن وغير المعلن، عن حلول مرحلية، ليأتي الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 ليؤكد أن ليس لدى منظمة التحرير أي أفق سياسي تحرري ولا عسكري، ومن ثم بدء "بناء مؤسسات الدولة العتيدة" في تونس.

حاولت منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات الهروب من مأزق لتتورط في آخر، حتى اندلعت انتفاضة الحجارة في الأراضي المحتلة لتزود القيادة الفلسطينية بورقة مساومة جديدة كانت في أمس الحاجة لها للشروع في تسوية مع دولة الاحتلال، وتحت الرعاية الأميركية منذ اليوم الأول، إذ عولت هذه القيادة على أن التسوية ستخرج المنظمة من مأزقها المتواصل طيلة عقدين، وأرادت لها أن تكون سلاما دائما وعادلا.

اتجه رابين لمفاوضة الفلسطينيين بعد فشل المفاوضات مع حافظ الأسد حينها، وأراد من "أوسلو" اتفاقا مرحليا مؤقتا حتى نضوج المفاوضات مع سورية

إسرائيليا، كان الأمر مختلفا، إذ أراد إسحق رابين من "أوسلو" ليس تسوية نهائية ولا سلاما أو دولة فلسطينية أو نضوجاً وإقراراً بالحقوق الفلسطينية، بل بالأساس كان الهدف الفوري هو إخماد شعلة الانتفاضة في الأراضي المحتلة، أي أن الاعتراف بمنظمة التحرير لم يكن تحولا تاريخيا ونضوجا صهيونيا على "وقع ضربات الانتفاضة"، بل محاولة للتخلص من الأراضي المحتلة من خلال تشكيل نظام شرطي محلي يخمد الانتفاضة ويخلص إسرائيل من عبء الضفة وغزة، أمنيا واقتصاديا. وقد حاولت إسرائيل سابقا تشكيل مثل هذا النظام الذي عرف باسم "روابط القرى"، لكنه فشل سريعا.

كما سعى رابين من خلال أوسلو لتجاوز القيادة الفلسطينية المحلية في الضفة وغزة لما كانت تحظى به من شعبية ومصداقية ومواقف أكثر صلابة نسبيا ونظافة يد، فهو التف على مفاوضات واشنطن التي خاضتها قيادة فلسطينية من الأراضي المحتلة، وفضل مسار أوسلو السري لأنه كان أكثر براغماتيا ويحظى بموافقة قيادة منظمة التحرير في تونس. فالقيادة المحلية تملك الشارع لكن القرار ملك عرفات وقيادة منظمة التحرير بمن فيهم محمود عباس، قائد الوفد الفلسطيني في أوسلو.

ثانيا، اتجه رابين لمفاوضة الفلسطينيين بعد فشل المفاوضات مع حافظ الأسد حينها، وأراد من "أوسلو" اتفاقا مرحليا مؤقتا حتى نضوج المفاوضات مع سورية ولاحقا التسوية الشاملة مع العرب، وتقديم إنجاز للناخب الإسرائيلي.

هذا يعني أنه فيما كانت القيادة الفلسطينية ترى في أوسلو تسوية تاريخية وعملية جدية، فإن القيادة الإسرائيلية وتحديدا رابين وشمعون بيرس، رأت في أوسلو عملية مؤقتة حتى تسوية شاملة مع العرب عبر البوابة السورية، لكنها مرحليا تخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية في الضفة وغزة، وتسد الطريق على نشوء قيادة محلية بالأرض المحتلة تكون أكثر تشددا وترفض لعب دور وكيل احتلال.

تعاملت إسرائيل مع أوسلو على أنه تكتيك ومناورة فيما تعاملت القيادة الفلسطينية معه على أنه استراتيجية وحتى عقيدة لا يزال قادة فلسطينيون يتمسكون بها ويرددون تهاليلها كل صباح.

بنظرة الى الوراء، الى عشرين عاما، يمكن القول إن إسرائيل حققت مبتغاها من أوسلو، إخماد شعلة الانتفاضة، حكما محليا دون أسنان حقيقية لكنه يخفف عبء الضفة وغزة عنها، والأهم التخلي عن الكفاح المسلح.

إذًا هي هزيمة مؤجلة تطول وتطول، لكن إكرام الميت في دفنه.