الليبرالية على الطريقة السعودية

الليبرالية على الطريقة السعودية

رامي منصور

يطرح سياق قتل الصحافي جمال خاشقجي وحكم محمد بن سلمان، تساؤلات حقيقية عن إمكانية اللبرلة الاجتماعية دون لبرلة ودمقرطة سياسية، وما إذا كان ذلك ممكنا بحق. وكيف أن الغرب ينبهر بـ"الشرقي" المنفتح اجتماعيا شكليا، حتى لو كان سياسيا دمويا. وهذا ما يفسر أيضا سكوت الغرب على رؤساء عرب مثل بشار الأسد أو عبد الفتاح السيسي كونهم "علمانيين" اجتماعيا لكنهم رجعيون سياسيا.

فقد قدم محمد بن سلمان نفسه للعالم الغربي على أنه ليبرالي اجتماعيا، وإصلاحي سياسيا واقتصاديا. وفيما قام بإتاحة حريات اجتماعية تبدو اليوم بديهية في الغرب، إلا أنه قابلها بدموية سياسية طالت إصلاحيين وإصلاحيات كانوا يدعون لانفتاح وإصلاح اجتماعي قبل السياسي، أي أن "الإصلاحي" بن سلمان حبس من دعوا وناضلوا من أجل إصلاحات انفتح هو نفسه عليها، مثل سعوديات ناضلن من أجل السماح للنساء بقيادة السيارات. وللمفارقة، قام باعتقال من دعون لقيادة المرأة للسيارات بعد أن سمح هو بذلك. جرى ذلك في ظل صمت غربي مدو ظل يحتفي بـ"تقدمية" وليبرالية بن سلمان الاجتماعية.

ولا يمكن تفسير سلوك بن سلمان سوى بالرعونة وجنون العظمة. لكن المشكلة لا تنتهي هنا. المشكلة بعالم صفق لـ"لبرلة" اجتماعية مزعومة، وبرر بطء الانفتاح السياسي بخصوصيات ثقافية للجزيرة العربية، وكأن العرب لهم خصوصية ثقافية لا تسمح لهم بالتحول الديمقراطي مثل باقي شعوب الأرض، واختزل الحريات بحضور فتيات سعوديات لحفل مختلط لتامر حسني في جدة، أو قيادة نساء ثريات لسيارات فاخرة، بمعزل عن مستوى تعليم النساء ونسبة الأمية في أواسطهن في بلاد الحجاز.

بن سلمان برفقة مالك أمازون وناشر "واشنطن بوست"، فريدريك رايان

كان مهما للغرب صورة الأمير "الموديرن"، الذي يستخدم حاسوب "ماك" و"تويتر" و"آيفون"، ويزور شركات التكنولوجيا في "سليكون فالي"، عقر التكنولوجيا الأميركية، واستقبله رؤساء شركات التكنولوجيا العملاقة، "فيسبوك" و"أمازون"، حتى أن صحيفة "واشنطن بوست" المملوكة لصاحب أمازون، احتفت بزيارة بن سلمان لمقرها.

لهذه الدرجة يجري تسطيح واختزال الليبرالية وحصرها في نمط حياة موديرن غربي، لا يتجاوز استخدام التقنية الأميركية وحضور حفل غنائي مختلط. أما عن الحريات السياسية، فهي لتقارير منظمة حقوق الإنسان، والتي لا يقرأها أحد.

"غرر" بن سلمان الغرب بليبراليته الاجتماعية الشكلية، مدركا جشع الغرب وطمعه بأموال العرب وتحديدا الخليجية، واشترى صمته قرابة عامين على جرائمه السياسية. ولهذا السبب صار جمال خاشقجي مهما في الغرب، لأنه غرد خارج السرب، وشدد على أن الانفتاح الاجتماعي لن يعني شيئا دون انفتاح وإصلاح سياسي. هذه أهمية خاشقجي، فهو لم يكن ثوريا ولا معارضا، بل صادقا جريئا ووطنيا قبل كل شيء.

وبن سلمان هو وجه آخر لسفاهة الليبرالية الشكلية الغربية، التي تختزل الحريات بحرية اختيار نمط الحياة والحرية بتنظيم حفلات وتعدد الأذواق. حرية أو ليبرالية مسلسلات التلفزة الأميركية، بأن للبشر أذواقًا والحق في اختيار نمط حياتهم و"حيزهم الخاص"، ونمط الحياة يتحول لـ"الهوية" (بأل التعريف) التي صارت إيمانا شخصيا يجب احترامه ومراعاته حتى لو كان هذا النمط من الحياة غير أخلاقي. المهم الحرية الشخصية بمعزل عن أخلاقيتها أو معقوليتها، وبمعزل عن السياسة. هذه الليبرالية هي ذاتها التي تحول نمط الحياة الصحي أو الخضري أو الميول الجنسية إلى "الهوية" ويجب النضال من أجل حقوقها. تصبح الهوية المتخيلة المصطنعة هي الجوهر وليس الإنسان ذاته.

والليبرالية الحقة هي التي ترى بالحريات شرطا لتحقيق العدالة والمساواة بين البشر، وليس حقوقا من أجل الحقوق فقط، أو هي الليبرالية الرولزنية (نسبة إلى جون رولز)، التي لا تختزل الحريات أو الليبرالية على حقوق الفرد وفقط، بل ليبرالية وحريات من أجل العدالة والمساواة، وأولها الليبرالية – الحرية السياسية والإنصاف في توزيع الثروة والموارد. ليبرالية لا تحول حرية الفرد على شاكلة نمط الحياة إلى دين متنور وتقدمي، بل تنطلق الليبرالية من أنها عدالة قبل أن تكون حرية فردية.

وهذه في الحقيقة كانت ليبرالية أبو الليبرالية، جون لوك، بأن الحريات الشخصية مثل الحق بالتملك هي حقوق طبيعية منحها الرب لجميع البشر وليس للملك وحده. والتملك كان البوابة للحق بالتعبير والحق بالتمثيل السياسي. أي أنها ليبرالية تشدد على حقوق الفرد الطبيعية كمدخل لتحقيق العدالة وليس كتقديس للحقوق كونها حقوق فقط.

قد تتوفر الحرية الفردية والليبرالية الاجتماعية في دول استعمارية، إسرائيل مثلا، أو في دول غير ديمقراطية بحق، لبنان مثلا، تماما مثلما قد يكون النظام علمانيا لكن دمويا، سورية ودول أوروبا الاشتراكية سابقا مثلا.

لذا، تعيد تجربة بن سلمان الدموية التأكيد على أن الليبرالية في الغرب التي تقدس حقوق الفرد وتحصرها في الحرية باختيار نمط الحياة والسلوك الاجتماعي، قد تكون غالبا حقا يراد به باطل، وإنها من دون ليبرالية سياسية تجعل المواطنين متساوين والدولة على مسافة واحدة من الجميع، إمكانية غير واردة. ويدرك الغرب ذلك، لكن نفاقه في التعامل مع الأوطان العربية والشرقية نابع من أنه يحتقر شعوب هذه المناطق ويرى فيها مزارع ثرية يجب السيطرة عليها.

وهذا الأمر في غاية الخطورة، لأن الغرب يتعامل مع الشعوب العربية على أنها مقموعة ومتخلفة اجتماعيا، ما يدفع شرائح من الشباب إلى الحركات الإسلاموية المتطرفة المعادية للغرب، لذا فإن المطلوب هو لبرلة اجتماعية، وإذا أمكن قدر قليل من الانفتاح السياسي، ليس بهدف العدالة والحريات، وإنما منعا للتطرف والعنف.

ويطالب الغرب بالحريات السياسية للشعوب العربية فقط كمقدمة للغزو والاحتلال والسطو، كما حدث بالعراق. فمشكلة الغرب مع صدام حسين لم تكن بأنه حاكم دموي، بل لأنه خرج عن السيطرة.

يعيد بن سلمان بقتل خاشقجي ما كان بديهيا قبل عقدين، أولوية السياسة والحريات السياسية، وأن الحريات – الليبرالية الاجتماعية من دون حريات سياسية لا قيمة لها وتتحول إلى شكلية لا تتجاوز المشاركة في حفل غنائي مختلط، أو قيادة المرأة للسيارة.

 

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة