كرامة وخدمات

تحليل || كرامة وخدمات

رامي منصور

مهما يقال عن إخفاق الأحزاب العربية وتجذر العائلية في الانتخابات المحلية الأخيرة، إلا أنه يصعب حصر الانتخابات في ظاهرة وعبرة واحدة، إذ أنّ لكل بلد ومنطقة خصوصيتها وتركيبتها، لكن ذلك لا يعني عدم إمكان استلال بعض الاستنتاجات العامة، دون الرجوع لنظريات في علم النفس ولا لفرانس فانون أو ابن خلدون أو جورجيو أغامبين، لأن الأمور أبسط من ذلك بكثير، والهروب للنظرية يكون في مثل هذه الحالة عجزًا عن قراءةِ ومواجهةِ الواقع.

هذه بعض الاستنتاجات من مراجعة نتائج الانتخابات الأخيرة:

في الناصرة مثلًا، يجب ألا يشكل انتصار علي سلّام مفاجأة، فهو ببساطة ترجم شعار جبهة الناصرة التاريخي "كرامة وخدمات" على أرض الواقع، وإن بشكل مغاير، وبنظر مؤيديه استعاد المدينة لقطاعات واسعة من أهلها الذي شعروا بعد أربعين عاما من حكم الجبهة بأنهم غرباء عن مدينتهم لا مهمشين فقط، وبذلك يكون سلّام بقدراته الشعبوية المعروفة، قد حوّل المعركة إلى معركة هوية. الكرامة في هذه الحالة تعني الهوية، بأننا نحن أصحاب البلد ونحن أهلها ولسنا غرباء. أي قام بدفع الأطراف المهمشة طيلة أربعين عاما إلى المركز وكأنه استعاد لهم مدينتهم، بغضّ النّظر إن استعادوها فعلا وأصبحوا غير مهمشين.

لكن الأمر لا يقتصر على أولئك، فأنصار علي سلّام ليسوا المهمشين فقط، هذه دائرة واحدة فقط. الدائرة الثانية، هي أولئك الذين نالوا فعلًا خدمات من بلدية سلّام لم تكن في السابق متاحة، سواءً كانوا مهمّشين أو غير مهمشين، رجال أعمال مثلا، لأن التصويت في الانتخابات المحلية ليس تصويتًا مبدئيًا غالبًا، بل هو تصويت عملي من أجل أمور عينيّة، مثل الحفاظ على جودة الحياة أو حل أزمة المرور في منطقة معينة أو حتى تعبيد شارع. ويبدو أن سلّام نجح في مخاطبة الدائرتين التي تجمعها، أيضًا، نقمة عميقة على حكم الجبهة طيلة أربعين عاما، لم تنجح فيها بنظر قطاعات واسعة من توفير الكرامة أو الخدمات، وتحولت إلى طبقة حاكمة أو برجوازية منتفعة منغلقة على نفسها، الكرامة بالنسبة لها كرامتها هي، ومن لا يواليها فلا كرامة له، والخدمات لمحيط هذه الطبقة وليس للمهمشين المسحوقين.

حول علي سلّام الذي لا تنقصه النرجسية ولا العنجهية، ببساطة، الكرامة والخدمات إلى هوية وانتماء في وجه طبقة حاكمة، تمامًا كما حصل مع الشرقيين الذي أطاحوا عام سبعةٍ وسبعين بحكم حزب ماباي (العمل)، الذي لم يستطع العودة للحكم بشكل جدّي حتى اليوم، لأن الليكود وفّر لهؤلاء الهويةَ والشعورَ بالكرامة بمعاداة العرب، فيما تعامل معهم ماباي باستعلائية كعرب يجب تحديثهم وإعادة تأهيلهم. السؤال هو، هل تحسنت ظروف الشرقيين؟ ما نسبتهم في الجامعات؟ كم مرة تولى شرقي رئاسة الحكومة الإسرائيليّة؟

وما حصل في الناصرة حصل في معظم البلدات العربية، فالتصويت، أيضًا، يجري وفق معيار الكرامة والخدمات لكن بمعناه الضيق. الكرامة هنا تعني الانتصار للهوية العائلية الضّيّقة، وإذا كانت الهوية محصورة بالعائلة وليس البلدة، فإن الخدمات، أيضًا، لن تتجاوز هذا الانتماء، أي أنّ الخدمات تقاس بمقياس المصلحة العامة العائلية أو المصلحة الضّيّقة، أي أن لا وجود لمصلحة عامة لكل البلد، لأن الانتماء الأولي هو للعائلة أو الحارة وليس للبلدة. وهذا أمرٌ مأساوي، بأن يكون مدى هويّة الفرد في القرن الحادي والعشرين لا يتجاوز عائلته أو حمولته، وطموح الخدمات التي يريدها لا يتجاوز خدمة حمولته وليس البلد عمومًا، أي غياب تام لمصطلح المصلحة العامة، أو حتى المصلحة العامة لمجموعة ما مثل النساء أو الطلاب، لأن الانتماء هنا لمجموعة - العائلة قائمة على رابطة الدم وليس على انتماء مكتسب أو خيار عقلاني.

لماذا تلجأ الناس للعائلية، هل هو أمر جيني وراثي؟ الأسباب عديدة ومعروفة وكتب عنها الكثير، ولا علاقة لها بعلم الوراثة، وإنما لها علاقة بفشل السلطات المحلية والمؤسسات التربوية والأحزاب في خلق هويّات حديثة، مثل الهوية الوطنية أو الانتماء للبلد والمصلحة العامة، وعندما تدار البلديات بشكل عائلي فئوي، فالعائلة تصبح الحضن الدافئ للحماية من الخارج - الكرامة ولتوفير الخدمات، ويصبح عضو البلدية ابن العائلة هو العنوان لمعالجة قضية في المدرسة أو قسم الرفاه الاجتماعي، بدلًا من أن تكون البلدية ككل هي العنوان. أي ما يفترض أن يكون مفتاحًا للتقدم والتحديث، الانتخابات والتمثيل السياسي، يتحول إلى نقمة ورجعية يمارس فيها الفرد انتماءاته البدائية غير العقلانية. وعندما ينعدم الانتماء للبلد وتنعدم الهوية الوطنية يصبح العنف أمرًا طبيعيًا.

وفي مثل هذه الحالات، يُصبح نجاح الأحزاب السياسيّة أمرًا شبه مستحيل، لكن المأساوي أن الأحزاب تتواطأ في كثير من الحالات مع هذا الواقع وتمنع استبداله، لأنها تنغرس باللعبة السياسية المحلية وتصبح الغاية عندها تبرر الوسيلة، وتتصرف مثل أي عائلة تنافس في الانتخابات، وهي في الحقيقة لا تحمل أي مشاريع مستقبلية مهنية وحقيقية، ومشاريعها هي تكرار من منشورات سنوات سابقة في معظم الحالات.

وقد كان لافتا في هذه الانتخابات دخول رجال أعمال معترك الانتخابات حاولوا سد الفراغ الذي خلفته الأحزاب، مثلما حدث في الناصرة. لكن المشكلة في مثل هذه الترشيحات هي في انعدام الخبرة السياسية والانتخابية المطلوبة، ولا تحمل رصيدا جديا في العمل الجماهيري أو البلدي؛ وثانيا هي بنظر كثيرين "لا كرامة" وتثير غيرة ونعرات وكرها دون سبب لدى شرائح واسعة.

هذه هي لعبة الانتخابات المحلية بشكل عام، يفوز من يمثل الناس ويوفّر لهم كرامتهم (أي هويّتهم بأدنى حدودها) ويخاطبهم بلغتهم، ويوفر لهم الخدمات طيلة الدورة وليس فقط في موسم الانتخابات. لكن المشكلة بالشق الأول، أي كرامة بالضبط؟ كرامة العائلة أو الحمولة أو الطائفة، أو كرامة المدينة كلها، لأن من دون ذلك يتقلص معنى مصطلح المصلحة العامة إلى الحدود الدنيا، مصلحة العائلة أو مصلحة الحارة.

المطلوب من الأحزاب هو خطاب كرامة يعبّر عن كل شرائح البلد، وليس التحالف مع مرشح عائلي ضد مرشح عائلي آخر، وبذلك المساهمة في تفتيت الانتماءات الضيقة؛ وتوفير الخدمات من خلال العمل مع الناس طيلة خمس سنوات، سواء في المجلس البلدي أو من خلال جمعيات. لدى الأحزاب طاقات مهنية وشابة تمكنها من خوض الانتخابات المحلية والنجاح فيها، لكن المطلوب الإدارة والتخطيط المسبق وليس العمل العشوائي واللهاث خلف تحالفات عائلية لتسجيل إنجاز هنا وإنجاز هناك، والنجاة برأس عضو في مجلس محلي بقرية نائية. أي المطلوب رؤية مستقبلية حقيقية، أيضًا.

المجتمع العربي تغيّر كثيرًا، وفي البلدات الكبيرة يحصل تمايزٌ طبقيٌ واضح، بين شرائح متمكنة اقتصاديا ومتعلمة تريد قوائم مهنيّة وشابة وتنظر إلى المستقبل وتفكر بمستقبل أطفالها (تريد خدمات ومستقبل)، وبين شرائح مهمشة ومستضعفة تشكّل الانتخابات بالنسبة لها فرصة لاستعادة كرامتها وتحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه في الفترات غير الانتخابية (تريد الكرامة).

انتصار الأحزاب سيكون في إمكانية الربط بين الطرفين وتمثيلهما، حينها سيعتبر ذلك إنجازا وطنيا، وغير ذلك، فستبقى الكرامةُ تعني تعبيد شارع.


(الصورة أعلاه من مهرجان انتخابي لرئيس بلدية الناصرة، علي سلام، تصوير: زياد دوشي)