معادلة جديدة في غزة

تحليل || معادلة جديدة في غزة

بلال ضاهر

ترددت في الأيام الأخيرة من العدوان الإسرائيلي السابق على غزة، في العام 2014، اقتراحات دعت إلى التوصل إلى تسوية شاملة من خلال اتفاق وقف إطلاق نار تشمل جميع الأطراف الفلسطينية وإسرائيل. لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية حينذاك واليوم، بنيامين نتنياهو، رفض التحدث عن احتمال دراسة اقتراحات كهذه، بعد أن كان قد أدخل، في ذلك العام نفسه، المفاوضات مع الفلسطينيين في حالة جمود مستمرة حتى اليوم.

ويبدو أن الفلسطينيين، وخاصة الفصائل في قطاع غزة، أصبحوا الآن أكثر خبرة بإسرائيل، وباتوا يعلمون أن إسرائيل بقيادة نتنياهو ليس لديها أية نية للتوصل إلى تسويات سياسية مع الفلسطينيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الفصائلية أو الحركية. ترفض التسوية مع فتح والسلطة، وترفض التسوية مع حماس. بل أن إسرائيل تعمل جاهدة من أجل ترسيخ وتعميق الانقسام الفلسطيني. ورغم أن الأطراف الفلسطينية تدرك ذلك، لكن كل طرف يعمل وفق رؤيته ومصلحته الفئوية.

وفي ما يتعلق بالتصعيد الحاصل في اليومين الأخيرين، يمكن القول إنه متوقع، أو على الأقل ليس مفاجئا. وقد حدثت جولات تصعيد في الشهور الماضية، وإن لم تكن بشدة التصعيد الحالي، الذي كانت العملية العسكرية في منطقة خان يونس، مساء أول من أمس الأحد، سببه المباشر. وفيما وجه الوسطاء في محادثات التهدئة إصبع الاتهام لإسرائيل، بأنها خرقت وقف إطلاق النار بهذه العملية في خان يونس، إلا أن إسرائيل بوقاحة وعدوانية تتميز بها، أعلنت أنها تنفذ عمليات كهذه بشكل دائم ولا أحد يعرف عنها شيئا، بادعاء أنها توفر الأمن للإسرائيليين.

وتشير تقديرات إلى أن جولة التصعيد الحالية قد تنتهي قريبا، اليوم أو غدا، وهي تقديرات واقعية، لأنه لم يعد أمام إسرائيل ما يمكن أن تفتك به في قطاع غزة، بعد عدوان العام 2014، الذي جرى خلاله قتل أكثر من 2200 فلسطيني وتدمير آلاف المباني والبنية التحتية، إلى جانب تشديد الحصار الذي جعل القطاع يفتقر إلى أبسط أسس العيش، مثل الماء والغذاء والدواء والكهرباء، إضافة إلى تعطيل المستشفيات بشكل كبير، وكل ذلك في مساحة ضيقة يزدحم فيها مليوني إنسان.

ويعتبر نتنياهو وزمرته اليمينية المتطرفة الحاكمة أن هذه الأزمة الإنسانية ليست خطيرة، ولكن لا ينبغي تشديدها أكثر، وذلك بتوصية أجهزة الأمن الإسرائيلية. ويبدو أن أطرافا فلسطينية خارج قطاع غزة لا ترى حجم المأساة فيه، وفرضت بدورها عقوبات على سكان القطاع، واعترضت على "الفرج الآتي" من قطر، وإن كان بالكاد يسد الرمق. لكن الفصائل في غزة، بغض النظر عن الموقف منها ومن فكرها، ترى حال قطاعها وأهله، ولا تعمل بموجب أجندة فئوية فقط وإنما وطنية أيضا، وتسعى إلى فرض قواعد لعبة مقابل إسرائيل، مثلما حدث أمس، بأن ردت على العملية العدوانية في خان يونس التي قتل فيها سبعة من مقاتليها.

ويتبين من هذا الرد أن الفصائل في غزة تحاول فرض معادلة ردع مقابل إسرائيل. وهذه المعادلة تقول إن الردع الإسرائيلي لا يردعها. ولذلك فإنه حتى لو تم التوصل إلى وقف إطلاق نار، في الأمد القريب جدا، إلا أنه لا يعني بأي شكل عدم حدوث جولات قتالية في المستقبل القريب أو البعيد، في حال إقدام إسرائيل على عدوان جديد، مهما كان حجمه، وذلك من أجل تثبيت معادلة الردع أعلاه.

لكن الأمر المحزن اللافت هو أن الفلسطينيين فقدوا مشاعر التضامن مع أبناء شعبهم في غزة، على ما يبدو. فلم تنظم احتجاجات ضد العدوان الإسرائيلي الحالي في الضفة الغربية أو في المدن والقرى العربية في الداخل، والقيادات في هاتين المنطقتين أصدرت بيانات مقتضبة تؤكد على تراخيها غير المسبوق، ويدل على حالة شرذمة فلسطينية عميقة، كأنها مطمئنة أن دورها بالتعرض لعدوان إسرائيلي عليها ليس قادما.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية