انتخابات النقابة: كيف نُشارك ومتى نُقاطع؟

انتخابات النقابة: كيف نُشارك ومتى نُقاطع؟

علي زبيدات

يقف الطلاب العرب في جامعة حيفا على أعتاب انتخابات النقابة الدوريّة، لتُسأل مُجددًا ذات الأسئلة ولتُطرح مُجددّا ذات الادعاءات، الأحلام نفسها والواقع عينه، لا شيء يتغيّر سوى ارتفاع وتيرة النقاش وازدياد حدّته بفعل تقدّم الأسابيع والأيام نحو اليوم الموعود.


أخالُ أنّ أحدًا لا يختلف معي حول ضرورة النقد المنُضبط والمحاججات الفكريّة التي تسعى جاهدةً لترشيد العمل الطلابي وتصويب أهدافه عبر تفاعل الأفكار وتمازجها، بدلًا من خطاب العنتريات وحصد الإعجابات على مواقع التواصل الاجتماعيّ.


جاء هذا المقال للوقوف على الادعاءات، الحجج والتساؤلات المشروعة، ومناقشتها مُناقشةً مسؤولة، لا تُغلّب الحزبي على الوطني، ولا تذهب بالوطنيّ حدّ المُغالاة والصنميّة، وجاء أيضًا كمساهمة بسيطة في وضع تأصيلٍ نظري جديد، لا يشكو من تهويل أو تقديس، بل يدعو إلى الحوار المُتعقّل والمُساءلة النقديّة المُتيقنة.

أعتقد أن باب الإجابة على سؤال "لماذا المُقاطعة؟" يُعدّ مدخلًا دسمًا للإجابة على سؤال "لماذا المُشاركة؟".
تتفق جميع الحركات المُقاطعة في العالم، إن كان للبرلمان، للنقابات أو لأي انتخابات كانت على أن للمُقاطعة أسبابًا أربعة لا خامس لها؛ وهي: الشرعيّة، الجدوى، الديمقراطيّة والنزاهة. أي مُقاطعة تستند إلى واحد منها أو أكثر لا غير.


يُعدّ سؤال الشرعيّة هو السؤال الأهم لا سيما للشعوب التي تقبع تحت نير مشروع استعماري إحلالي، وكل ادعاء آخر يذكره أصحاب هذه الحجّة يصبّ فقط في مُراكمة الادعاءات. 
وفق هذا الادعاء فإن المُشاركة بالجسم ذا الشأن يحمل شرعنةً له من قِبَل من يُعاديهم. 
ومن حق القارئ الكريم أن يتساءل كغيره، الأسئلة الأوليّة: هل النقابة غير شرعية سوى بوجود العرب فيها؟ هل النقابة أصلًا تحتاج لهذا النوع من الشرعيّة؟ لكن لو سلمنا جدلًا بصدقية هذه الحجّة وتخيلنا ما بعد المقاطعة مُتحققًا الآن، كيف سيكون شكل النقابة؟ 
من يتصوّر أن في السياسة من فراغ فهو واهم، لم يخترع التجمع الطلابي في جامعة حيفا العجلة وليس بحاجة لهذا، يكفيه التعلّم من تجربة انتخابات الكنيست التي شغل فيها "العرب الجيدون" أماكنهم كمخاتير وكعكاكيز للسلطة عندما غاب التمثيل الوطني.
 وليس ببعيدٍ عنا ترشّح بعضهم الآن باسم أحزاب صهيونيّة.
 أمّا الأهم في كل هذا، أنّ للشرعيّة أنواع وليست بالضرورة أُحاديّة الاتجاه. 
انتخابات النقابة هي المكان الوحيد – للأسف - الذي يستطيع الطالب العربي فيه التعبير عن توجهاته والتصويت لانحيازاته، وبهذا يكسب المُصَوَت له الشرعيّة في تمثيل الشريحة التي صوتت. فما الداعي لتصفيّة الشرعية التمثيليّة لجسم عربي مُلتزم وطنيًا حصل عليها من أصوات الطلاب العرب؟

أمّا الادعاء الثاني فهو ادعاء الجدوى، يسأل أصحابه حول جدوى العمل النقابي، هل من ثمار لهذا؟ أمّا من لا يسأل فقط للمناكفة فيُطور سؤاله نحو: هل يُعدّ العمل النقابي مُعيقًا لما يجب أن يُعمل به خارج النقابة؟
يكفي لتفنيد هذا الادعاء نظريًا، استحضار بعض الأمثلة لإنجازات عينيّة في النقابة، تبدأ في تمثيل الطلاب أمام الأقسام والهيئات الإدارية مرورًا بتحصيل الميزانيات ولا تنتهي بمعالجة القضايا الجماعيّة الإشكاليّة، وهو وما قد شعر به الطلاب ولامسوا أهميته.


ليس هذا المقال منشورًا انتخابيًا لتعديد الإنجازات، لكن يجدر التنويه إلى أن التجمع الطلابي في جامعة حيفا قد خصص منشورًا فصليًا على مدار الفترة السابقة اشتمل على نشاطه النقابي وبات من الضرورة المُلحة جمعها جميعها في كراسةً واحدةٍ.
 وبخصوص ما يجب العمل به خارج النقابة، فلا ضير ولا ضرار من التمثيل السياسي بهدف العمل الخدماتي داخل النقابة والسعي للتمثيل السياسي بهدف التعبير عن مشروع وطني ديمقراطي خارج النقابة في آن، إذ أثبتت التجارب الإمكانية والتكامل.


حقيقةً، أن المُزعج بهذا هو الاستغلال السيئ لصدقيّة مطلب بناء لجنة الطلاب العرب – والتي تحتاج لمقال خاص حول أي لجنة طلاب عرب نقصد - بهدف المناكفة الضيقة ومحاولة تسجيل النقاط على المشاركين في الانتخابات، فتجد هؤلاء "القلقين" على مستقبل الطلاب العرب بالضبط قبل انتخابات النقابة قد أردفوا أعجازًا وناؤوا بكلكل، مُنظرين لأهميتها ولا ويريدون البدء في تأسيسها سوى الآن الآن! 
أين كنتم يا أصدقاء طوال سنوات خلت، وهل لجنة الطلاب العرب لا يصلُح الحديث عنها سوى قبل أسبوعين من انتخابات النقابة؟


ليس منطقيًا ولا أخلاقيًا محاولة وضع التجمع في "خانة اليك" عند الحديث عن هذا الموضوع، وقد كان التجمع الطلابي أكثر من دعا من على كل منبر مُتاح وسعى في كل وقت ممكن لتأسيس لجنة الطلاب العرب، لا سيما وأّن الحقائق التاريخيّة تُبيّن أنّ التجمع لم يكن شريكًا طلائعيًا في تأسيسها لجان الطلاب العرب واتحادات الطلاب القطرية مُنذ تأسيسه وحسب، بل وكان مفتاحًا لا تقوم من دونه.

ويُسأل أيضًا سؤال الديمقراطية، بحيث يتساءل أصحابنا في هذه الحالة حول الحيز الديمقراطي المُتاح وفق طريقة الانتخابات المعروضة وغيرها من الأسئلة التي يجب على النقابة والجامعة أيضًا الإجابة عليها، فهي صحيحة بمُعظمها ويتفق عليها التجمع الطلابي جملة وتفصيلًا.
 كما وعلى الحركات الطلابية العربية ألّا تهرب من الإجابة عليها عبر تحويلها لملعب النقابة وحسب، إذ لا بدّ من محاولة فهم لماذا نجحت النقابة في فرض هذه التغييرات وكيف سننجح في فرض واقع انتخابي مُغاير، وإلى حين فرض هذا الواقع المُغاير، لا ينفع ولا يُجدي اتخاذ الخيارات السهلة والاستسلام، ولا التنازل عن البُعد التمثيلي لآلاف الطلاب العرب في الجامعة إرضاءً لأهواء بعض مهووسي اليمين الفاشي ومن يصفق لهم. ومن الواضح أن سؤال النزاهة غير مطروح بشكل جدي، لزخم الادعاءات الثلاثة السابقة وثقلها.

كيف نُشارك؟


يقبل التجمع الطلابي على نفسه خوض هذا المعترك انطلاقًا من مشروعه السياسي، الذي يدمج القومي باليومي، إذا لا يرى أخلاقيةً في مطالبة الناس بالانضمام للحراك الوطني دون الاهتمام بالحراك المطلبي، ولا يرى تناقضًا في هذا. 
أما وإذا ما حلّ وحدث تناقض كهذا، أو اضطر لتخفيض سقفه السياسي ثمنًا لوجوده في النقابة، أو إذا ما احتدم التناقض بين الوطنية والمواطنة، فلن يكون من داعٍ للنقاش أن خيار البقاء في النقابة إلى مزابل التاريخ وأن الخيار الوطني غلّاب لا محالة.


هكذا نُشارك في النقابة، خدمات يوميّة بكرامة وعزّة نفس وليس أقل.