فوضى السلاح: من معسكرات الجيش إلى بيوتنا

فوضى السلاح: من معسكرات الجيش إلى بيوتنا

ضياء حاج يحيى

قطع سلاح "إم 16"، قنابل وذخيرة، مسدسات وأمشطة، وسلاح مصنع، مخابئ تحت التراب وفوقه، مغلّفة بعضها والآخر قيد الاستعمال، ترسانة عسكرية في كثير من البيوت. كل هذا في مجتمعنا المأزوم، بات العنف خطرا يهدد حياتنا وتحولنا إلى رهينة السلاح وحامليه.

بعد كل جريمة إطلاق نار تحصد ضحية في المجتمع، يعود السؤال عن فوضى السلاح في أوساط شبابنا والمسؤول عن انتشاره، في حين تشير المعطيات إلى أن 80% من جرائم القتل تنفذ بواسطة السلاح، وفي ذات الوقت يطرح سؤالا في غاية الأهمية؛ هل تهريب الأسلحة للبلدات العربية سياسة موّجهة تغذيها المؤسسة الإسرائيلية بأجهزتها الأمنية؟

تدّعي الشرطة الإسرائيلية في كثير من الأحيان حين تُوجه لها أصابع الاتهام بعدم منع جريمة وضبط المجرمين ومعاقبتهم، أنها تواجه صعوبة في التعاون مع المواطنين العرب للقبض على المجرمين، في حين تُدار تجارة السلاح في السوق السوداء تحت أنفها وأنوف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المختلفة، دون رقيب وحسيب.

لا تحتاج هذه الأجهزة تعاون المواطنين العرب في القضايا الأمنية أو حتى الجنائية، حين يكون الضحية من المجتمع اليهودي؛ ففي كفر قاسم مثلا، قُتل 6 شبان في العام الماضي ولم تتوصل الشرطة إلى قاتليهم، فيما توصلت خلال أيام قليلة إلى قاتلي مواطن يهودي في المدينة ذاتها في العام نفسه.

تجارة سهلة

"م خ" شاب يبلغ من العمر 18 عاما من منطقة المثلث، يحمل سلاحا مهرّبا من الجيش الإسرائيلي. قابلته خلال إعداد فيلم وثائقي عن السلاح، ورفض الكشف عن هويته خوفا من المساءلة القانونية. كشف هذا الشاب خلال المقابلة العديد من التفاصيل المهمة والخطيرة، إذ قال: "إنك تجيب سلاح في مجتمعنا مش صعب، بدك شويّة مصاري بس!، كثير في ناس ببيعوا، بجيبوا السلاح بسهولة". وأضاف: "أنا حامل السلاح دفاعا عن النفس لأنه بنشوف الشرطة بتحميناش، بدنا إشي نحمي حالنا فيه".

ثم أكد أنه ليس الوحيد من بين أصدقائه الذين يحمل سلاحا، على الرغم من أنه من بين أصدقائه من لم يتجاوز 18 ربيعا بعد، مشيرا إلى أن والديه لا يعلمان بحمله للسلاح.

وشرح الشاب مفصلا عملية شراء السلاح: "كنت أنوي شراء سلاح، ومن المعروف في بلدنا أن شخصا ما يتعامل في تجارة السلاح، توجهت إليه، وعرض علي السعر، وافقت، لكنه أراد مهلة شهر، وبعد شهر تقريبا، عاد إلي، وتمت عملية الشراء بسهولة". وشرح الشاب كيفية إخفاء السلاح، إذ قال"نطمر السلاح تحت الأرض، ونضع عليه النايلون القوي ونلفه جيدا، من أجل أن لا يتضرر من الرطوبة تحت الأرض".

350 ألف قطعة سلاح

ويُرَجَّح أن عدد قطع السلاح في المجتمع العربي يصل لنحو 350 ألف قطعة سلاح، فيما تشير النائبة حنين زعبي في كتاب قدمته لمراقب الدولة الإسرائيلي أن 400 ألف قطعة سلاح في المجتمع العربي، وكثرة تواجد هذا السلاح تتمثل بسهولة الحصول عليه، دون رادع، حتى أصبح "ثقافة" يتبناها كثير من شباب مجتمعنا في ظل غياب السلطة.

أصبحت هذه الأسلحة بيد بعض المواطنين العرب مشكلة كبيرة، شائكة وخطيرة، وباتت تمثل أداة تُسرِّع جرائم القتل، وتوغل الإجرام المنظم، واستخدمت الأسلحة لحل النزاعات وتسوية الخلافات، وفرض السيطرة والسطوة، وجلب المال والانتقامات.

مصادر السلاح

في السابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير من العام 2008، ضبطت الشرطة الإسرائيلية قطع سلاح في مدينة الطيبة، وتبين بعد الفحص أنها تعود لصناعة الأسلحة الإسرائيلية، وقد هُرّبت ضمن عملية اشترك فيها عاملون في مصنع السلاح في بلدة هود هشارون وسط البلاد. في حينه اعترفت السلطات الإسرائيلية بأنها ضبطت بعض قطع السلاح في الطيبة التي تم تهريبها من أصل 170 قطعة سلاح، أي أن عشرات القطع بقيت في أيدي الناس.

وفي السياق ذاته، أعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية في منتصف العام الماضي، عن حدوث عملية سرقة كبيرة في معسكر للجيش، جنوبي البلاد، وبعد فترة قصيرة تم ضبط متهمين و11 قطعة سلاح من نوع "إم 16" من أصل 33 قطعة، أي أن 22 قطعة بقيت في السوق السوداء للسلاح، وبحيازة عصابات الجريمة.

أخذت هذه الأسلحة وغيرها طرقا متشعبة ومعقدة، في مسار واحد واضح، منذ أن انطلقت من نقطة واحدة؛ معسكرات الجيش الإسرائيلي ومصانع السلاح، إلى المنظمات الإجرامية لتستقر في نهاية المطاف في أيدي عدد من المواطنين العرب، مقابل المال.

هذه الوقائع وغيرها تؤكد خطورة الوضع وتحتم علينا كمجتمع وكمسؤولين ومواطنين ألا نتجاهله، فالعلاقة واضحة بين متورطين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية سواء كانوا ضباطًا بالجيش أو جنودا أو أفراد شرطة، وغيرهم ممن يتاجرون بالأسلحة المرخصة في البلاد.

لم يتوانَ المسؤولون في أجهزة الأمن الإسرائيلية بالاعتراف أن هذه الأسلحة مصدرها من الجيش، حيث صرح وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، في جلسة بالكنيست أن "90% من السلاح المتواجد شمالي البلاد مصدره الجيش الإسرائيلي".

مفترق طرق

تسللت هذه الأسلحة، على الأرجح وفق المعطيات والإحصائيات على أرض الواقع، بعد الانتفاضة الثانية وأحداث هبة القدس والأقصى في العام 2000، ووفق ما صرح به عدد من القياديين في الأحزاب السياسية العربية، شهد المجتمع العربي في الداخل مواجهات دامية في حينه، واستشهد 13 شابا وجرح المئات من الشبان العرب، وشكلت الانتفاضة الثانية مرحلة مفصلية، فبدأ يتسلل السلاح ليدخل المجتمع العربي في متاهات عصابات الإجرام، والنزاعات العائلية والانتقامات الدموية، في ظل تقاعس الشرطة والسلطات الإسرائيلية، وصمت المجتمع إزاء العنف والجريمة.

ما حدث ويحدث في مجتمعنا طرح أكثر من سؤال حول العلاقة بين الجنائيات والسياسة: كيف وصلت هذه الأسلحة إلى أيدي المواطنين العرب، من المكان الأكثر حساسية لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية، معسكرات جيشها ومصانع سلاحها؟ هل الهدف من ذلك كان ضرب حالة المد الوطني في البلدات العربية بعد هبة عام 2000، وإغراق مجتمعنا بصراعات داخلية دامية لا تنتهي؟

السلاح كمصدر للجريمة

خلال موجة النزاعات الدامية بين عدد من العائلات في مجتمعنا، بدأت تظهر هذه الأسلحة جليا بأعداد كبيرة، غالبيتها أسلحة أوتوماتيكية مصدرها الجيش، كبندقية "إم 16"، ومسدسات "باريتا" و"چلوك" الأميركية والقنابل اليدوية.

ويعتبر سلاح "إم 16"  الأغلى ثمنا من بين الأسلحة المنتشرة بين الناس، إذ يتراوح سعر القطعة اليوم ما بين 60 إلى 70 ألف شيكل، ما يجعل سوق السلاح السوداء تجارة مربحة تدر ملايين الشواقل سنويا.

هزة شعبية

تبقى الأسئلة مطروحة، عن دور أفراد من أجهزة الأمن وتورطهم بعمليات تهريب أسلحة، وسهولة اختراق معسكرات الجيش ومصانع الأسلحة، وكيف يتم تهريب السلاح من الأماكن الأكثر حساسية في الجانب الأمني دون ضبط كافة القطع المهرّبة.

كل تلك التساؤلات يجب أن تُحدِث هزة تنتج عنها حملة شعبية منظمة لملاحقة قانونية لكل المسؤولين عن تهريب الأسلحة.

علينا ألا نتغاضى عن دور المجتمع كذلك، إذ يجب أن يساهم في محاربة هذه الظاهرة، من منطلق المسؤولية المجتمعية، ويتطلب الأمر وقفة موحدة لإيصال رسالة صريحة لنبذ كل من يتعامل بالسلاح.

وفي النهاية، فإنه بالاستناد إلى الأسئلة المطروحة فإن فوضى السلاح في المجتمع العربي تغذت وتأسست من عدة عوامل أهمها: الواقع السياسي المضطرب في البلاد، والأرض الخصبة في المجتمع بالنسبة للعنف، كالنزاعات العائلية، بالإضافة إلى غياب السلطة الرادعة لهذه الظاهرة ومحاصرتها قبل أن تتفاقم أكثر وتصبح واقعا لا مفرّ من العيش معه.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة