حرب؟ نتنياهو بين الواقع والمبالغة

حرب؟ نتنياهو بين الواقع والمبالغة

بلال ضاهر

نجح رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في منع سقوط حكومته، وتمكن من احتواء "التمرد" ضده، حتى الآن، بعد إعلان رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، عن تراجعه عن مطالبه من نتنياهو، وعلى رأسها تعيينه وزيرا للأمن.

ونجح نتنياهو في ذلك في أعقاب ممارسة ضغوط شديدة على بينيت ووزيرة القضاء، أييليت شاكيد، اللذين كانا يعتزمان الاستقالة وإعلان انسحاب "البيت اليهودي" من الحكومة، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقداه قبيل ظهر اليوم، الاثنين، لكن بدلا من ذلك أعلن بينيت عن تنازله عن مطلبه من نتنياهو. وجاءت الضغوط على بينيت وشاكيد من جهة أعضاء كنيست في كتلتهما، يعارضون تبكير الانتخابات. والجهة الأهم التي مارست ضغوطا عليهما هم حاخامات الصهيونية الدينية، بعد توجه نتنياهو إليهم، من خلال مستشاريه، وقسم كبير منهم ينتمون إلى هذا التيار المتطرف، الذي لديه تمثيل واسع ليس في "البيت اليهودي" فقط وإنما في حزب الليكود الحاكم أيضا. واللازمة التي رددها نتنياهو ومستشاروه هي أن "البيت اليهودي" يريد إسقاط حكومة اليمين، وأنه بعد الانتخابات قد تصعد حكومة "يسار"، وهذا ليس واقعيا الآن.

في موازاة ذلك، مارس نتنياهو التخويف. وقال، خلال مؤتمر صحفي أمس وفي مستهل اجتماع لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، اليوم، إن الوضع الأمني حساس حاليا وأن إسرائيل في أوج حرب، أو معركة، لم تنته. ولا يبدو أن نتنياهو بأقواله هذه بعيد عن الواقع، وإنما هو يبالغ. والواقع هو أن إسرائيل موجودة في حالة تأهب دائم ضد الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة وضد إيران والمليشيات الموالية لها في سورية ولبنان. وهذا ليس واقعا جديدا، وإنما هو واقع قائم منذ منتصف العقد الماضي، وأصبح أكثر تطورا منذ بداية العقد الحالي.  

ومبالغة نتنياهو تتمثل في أنه وصف الوضع الأمني الآن كأن إسرائيل على شفا حرب وقد تتعرض لدمار كبير، تتكبد فيها خسائر هائلة، والتوجه إلى انتخابات الآن هو خطوة خطيرة وعديمة المسؤولية. لكن ليس معقولا أن الوضع بهذا الشكل، في وقت أقدم فيه وزير الأمن، افيغدور ليبرمان، على الاستقالة، ويطالب رئيس حزب "كولانو" ووزير المالية، موشيه كحلون، ومعه بينيت وشاكيد، وجميع هؤلاء الأربعة هم أعضاء في الكابينيت الأمني المصغر ومطلعون على كافة التطورات والتقديرات والتقييمات الأمنية، وجميعها لا تتوقع تصعيدا في سورية أو لبنان يصل إلى درجة الحرب، خاصة في ظل الوجود الروسي في هذه المنطقة.

ومن الناحية السياسية الداخلية، فإن نتنياهو نفسه هو أول من أرسل تلميحات إلى الحلبة السياسية وسرب أنباء عن نيته بتبكير موعد الانتخابات العامة. وربما تستمر ولايته حتى نهايتها وتجري الانتخابات في موعدها الرسمي في تشرين الثاني/نوفمبر من العام المقبل. لكن هذا ليس مؤكدا. فنتنياهو قد يقرر تبكير الانتخابات، لكنه قبل ذلك يريد أن يعرف الصورة الواضحة للأحزاب التي ستتنافس فيها، إثر الحديث عن احتمال انضمام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، بيني غانتس، كمرشح على رأس حزب وأظهرت الاستطلاعات، في نهاية الأسبوع الماضي، أن من شأن ذلك أن يقضم عددا من مقاعد الليكود في الكنيست. وسيناريو آخر هو أن الحكومة قد تسقط على خلفية تعديل "قانون التجنيد" ومعارضة أحزاب الحريديين له.

إلى جانب ذلك، يدور الحديث عن توترات، وربما نوع من الغليان، داخل الليكود بسبب استمرار حكم نتنياهو، وهذه الحالة ليست عامة وإنما في أوساط معينة، مثل مؤيدي الوزير يسرائيل كاتس والوزير السابق غدعون ساعر. وليس صدفة أن نتنياهو يطرح الآن احتمال تعيين كاتس وزيرا للخارجية، إضافة إلى احتمال تعيين الوزير يوفال شطاينيتس في هذا المنصب.

من الناحية الأمنية، ربما يكون نتنياهو مطلع على معلومات أو احتمال حدوث تطورات، مثل قيام إيران بنقل أسلحة إلى حزب الله في لبنان، وتصفها إسرائيل أنها أسلحة "كاسرة للتوازن" بمعنى أنها تعتزم اعتراضها. إلا أن هجمات إسرائيلية كهذه حدثت مرارا وتكرارا في السنوات الماضي. كما أن الانتخابات العامة الإسرائيلية جرت في ظل تصعيد أمني وتوتر أمني منذ العام 2000.

لكن الوضع السياسي في إسرائيل الآن يدل على أن المعركة الانتخابية انطلقت، ويؤكد هذا الوضع أن إسرائيل دخلت سنة انتخابات، يصعب توقع استمرارها لعام كامل حتى موعدها الرسمي. وينتظر نتنياهو اتضاح الصورة الكاملة لاستشراف المعركة الانتخابية، وهو لا يتطلع إلى فوز حزبه فقط في هذه الانتخابات وإنما إلى فوز معسكر اليمين بأغلبية مقاعد الكنيست. وفي هذه الأثناء لا تزال التحقيقات الجنائية ضده بشبهات فساد تخيّم فوق ولايته الحالية، ولا أحد يعرف ما سيحدث في حال تقرر توجيه لائحة اتهام ضده.    

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية