إنقاذ المشتركة يلزم الأحزاب بتغيير ممثليها

إنقاذ المشتركة يلزم الأحزاب بتغيير ممثليها

نضال محمد وتد

بغض النظر عن موعد إجراء الانتخابات النيابية القادمة للكنيست، سواء جرت في أواسط آذار/ مارس وفق ما يريده كاحلون وليبرمان، أم في أيار/ مايو وفق رغبة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، كموعد مفضل له، فمن الواضح أن الأشهر المتبقية لهذه الانتخابات تلزم الأحزاب الحقيقية المشكلة للقائمة المشتركة، أن تبدأ تحركاتها الداخلية أولًا لانتخاب مرشحيها وممثليها في القائمة، ثم استعدادًا للمفاوضات حول ترتيب المقاعد وعدد مقاعد كل حزب منها في المقاعد العشرة الأولى، وباقي المقاعد الأخرى حتى المقعد الـ120.

ويعني هذا أن تخوض الأحزاب في سياق هذه الاستعدادات معركة انتخابات داخلية، من الواضح أنها ستكون شرسة، على الأقل لدى التجمع والجبهة، إذ ينتظر أن تكون هناك منافسة شديدة على إعادة الانتخاب لمن يرغب من النواب الحاليين العودة للكنيست لدورة إضافية، ولعل تصريحات  أحمد طيبي الأسبوع الماضي للإذاعة الإسرائيلية (في حديث لأريه غولان)  وقوله  أن كل شيء خاضع للمفاوضات، وأن حزبه غبن في تشكيل القائمة تنذر بالعودة لنفس أسلوب الابتزاز السياسي الذي جرى في الانتخابات الماضية. وبغض النظر عمّا تحويه هذه التصريحات من "مبالغة كاذبة" في قوة طيبي الانتخابية فإنه من الواضح أن مثل هذا المنطق في التعامل وإبلاغ الرسائل للشركاء عبر الإعلام، يجب أن يكون مرفوضا جملة وتفصيلًا.

ويبدو أن طيبي يبني دعايته على واقع الخيبة من المشتركة عند الناس ويعزز هذه الخيبة لتحسين مواقعه فيها. لكن حقيقة خيبة الأمل من القائمة، والأصح أن نقول من أداء ممثليها في الكنيست يلزم الجميع بدراسة التجربة ومحاسبة أقطابها على سوء الأداء الذي جاء عكس توقعات الناس، خاصة وأنهم انشغلوا في العامين الأولين من ولاية الكنيست في منافسات شخصية من جهة، وترويج لوحدة زائفة وموهومة، من جهةٍ أخرى.   

بل إن قباطنة المشتركة تجاوزوا ذلك في سعيهم لتقديم إنجاز تخيلوا أنه يمنع الانتقادات لهم فدخلوا في لعبة موازنات وصفقات برلمانية غير محسوبة النتائج نسفت الكثير من آمال الناس. بل إن أداء النواب للأسباب المذكورة، "الرغبة في تقديم إنجاز، وحب الظهور، والتنافس الشخصي وتبجيل الذات"، كلف المجتمع العربي ثمنًا باهظًا، تمثل أولًا بصكّ غفران قدمته القائمة ككل لبنيامين نتنياهو عن تحريضه العنصري يوم الانتخابات. ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ أنهم وبشهادة متأخرة من السيد مازن غنايم، واعتراف عضو الكنيست أحمد طيبي بعد عمليات الهدم في قلنسوة (عبر مقال نشره في موقع العرب) وتأكيد النائب مسعود غنايم، توصّلوا إلى تفاهمات مع بنيامين نتنياهو، بشأن "الامتناع أو التغيب عن التصويت على قانون الغاز" مقابل "امتيازات وميزانيات للعرب ككل، ثم انسحب نتنياهو منها لاحقًا وتوصل إلى تفاهم مع أريه درعي وشاس لتمرير القانون المذكور، رغم إنكار النواب العرب بداية لوجود هذه  التفاهمات.

وعندما أقرت الحكومة الخطة الاقتصادية 922، فرح بها النواب العرب بداية وحاولوا ولا يزال بعضهم يحاول، نسبها لنفسه، مقابل تجاهل أنها شكلت غطاء شرعيًّا لتوصيات كامنيتس التي تحولت إلى قانون كامنيتس، الذي كان الهدم في قلنسوة أول تطبيق فعلي لنصوصه.

زيادة على ذلك، واصل النواب العرب في المشتركة، اعتماد آلية تنسيق غير مباشرة مع الائتلاف الحكومي، بدلًا من استغلال فرص وأزماته لإسقاط الحكومة، من خلال سلسلة "تفاهمات" مع الحريديم، بلغت ذروتها في التفاهمات لانسحاب نواب المشتركة جميعًا من التصويت على تعيين ليتسمان نائبًا لوزير الصحة، ومنع أزمة كادت تطيح بالحكومة بزعم أن ليتسمان يتجاوب مع مطالب العرب في مجال الخدمات الصحية. وتكرر نمط الانسحاب من قاعة التصويت في مرات أخرى، كما في حالة قانون التجنيد مقابل تصويت الحريديم ضد قانون القومية.

إلى ذلك، تبين معطيات التصويت في الكنيست في حالات كثيرة أن نواب المشتركة أبدوا سهولة بالتغيب عن التصويت، على مشاريع قوانين تريد الحكومة تمريرها لكنها تفتقر يوم التصويت لأغلبية  بفعل تغيب وزراء وأعضاء ائتلاف لأسباب مختلفة، وبالتالي كان يتم التوصل إلى اتفاق  بالتغيب عن التصويت مقابل كل وزير أو نائب من الائتلاف الحكومي، لضمان نفس موازين القوى. لكن عندما عرض قانون القومية في 19 تموز/ يوليو فوجئ النواب العرب بالحريديم يصوتون لصالح القانون، بعد أن تراجعوا عن تعهداتهم، وأعلنوا ذلك قبل 48 ساعة من التصويت. كل هذا لم يدفع بأعضاء المشتركة إلى إعادة حساباتهم، أو التهديد بخطوات حادة، وانتظروا تمرير القانون، وبعد الاستياء الشديد في صفوف المجتمع العربي أطلقوا  سلسلة "لقاءات دولية" بعد التنظير الفارغ المضمون للتغطية على فشلهم بأن الاستقالة أو المقاطعة لا تفيد، مع أنهم لم يقدموا للآن دليلًا أن المشاركة النشطة أتت بالنتائج المرجوة، ولم تمنح إسرائيل دليلًا على أنها ليست دولة أبرتهايد بواقع وجود عرب في الكنيست.

تحولت المشتركة بعد اعتماد هذا النهج إلى نوع من "قوة الاحتياط" التي منحت حكومة نتنياهو شبكة أمان، من خلال الامتناع عن التصويت ومغادرة القاعة.

وإذا كانت مسألة التشريع في الكنيست، وعجز القائمة المشتركة عن إقرار قوانين تفيد المواطن العربي مفهومة، فإن خضوع القائمة مثلًا، وباعتراف النائبة حنين زعبي، قبل نحو عامين، في مؤتمر في "مدى الكرمل"، لأوامر نتنياهو من تشرين الأول/ أكتوبر 2015 بمنع النواب العرب أيضًا من زيارة الأقصى، لا يزال بلا مبرر .

خيبات الناخب العربي من أداء المشتركة في الكنيست، وبضمن ذلك من أزمة التناوب، وصولًا إلى تمرير قانون القومية بفعل مراهنة خاطئة على الحريديم، تلزم الأحزاب المشكِلة للقائمة، إذا أرادت استعادة ثقة الناس وسد الطريق أمام الانتهازية السياسية والابتزاز المرتقب، بأن تجري حسابًا عسيرًا مع الذات، وأن تحمل النواب الذين أقرّوا هذا النهج في قيادة المشتركة ومن لم يعترض من النواب المخضرمين عليه، فعليًّا وليس فقط إعلاميًّا، مسؤولية فشل أدائهم في قضية مصيرية، مثل قانون القومية، وأن تقدم للناخب وجوه جديدة، تعيد للناس الأمل بجدوى العمل السياسي ومصداقية الأحزاب.

اقرأ/ي أيضًا | حرب الأدمغة