أما زلنا نتساءل عن جوهر الصهيونية؟

أما زلنا نتساءل عن جوهر الصهيونية؟

أنطوان شلحت

أقرّ سري نسيبة، أحد أكثر المثقفين الفلسطينيين تأييدًا لاتفاقات أوسلو، بأن هذه الاتفاقات مُنيت بالفشل، لكنه في الوقت عينه رفض الاعتراف بأنها كانت خطأ. 

وورد إقراره هذا في مقابلة مطوّلة أدلى بها أخيراً إلى الموقع الإلكتروني الإسرائيلي، سيحا مكوميت (محادثة محلية)، رفقة هواجس أخرى تتعلق بـ"مسيرة السلام" الإسرائيلية -الفلسطينية، والتي كان أحد فرسانها قبل "أوسلو" وبعده. 

وتمثّل الهاجس الأساسيّ في التساؤل عما إذا كانت الصهيونية بمثابة كائن غير قادر على صنع السلام، وراغب في التوسع الدائم، وليس في وسعه إبداء أي تسامح إزاء الآخرين، ولذا يستحيل إبرام سلام معه، بل ومن السذاجة الاعتقاد أن بالإمكان التوصل إلى سلام معه. وهو ليس تساؤل العارف، لمجرّد أن نسيبة أردفه بالقول: "في هذه اللحظة، ليست لديّ أي إجابة. لا أعرف بماذا أومن. من جهة أولى، أرغب بأن أومن أن في وسعنا التأثير وصنع السلام. ومن جهة أخرى، ونظرًا إلى أننا جربّنا وفشلنا، أعتقد أنه ربما هذا الأمر مستحيل فعلًا، وربما الصهيونية هي كذلك. أنا حقًّا لا أعرف". 

بطبيعة الحال، يتجاهل صاحب هذا الهاجس أصول الصهيونية الفكرية، بحجة الفوارق في صيرورتها، بعد أن أصبحت تقود دولةً، على عدة مراحل منذ 1948 مرورًا بـ1967 أساسًا، وصولًا إلى مرحلة أوسلو ابتداء من 1993. ولعلّ أهم تلك الأصول، على ما أكد أكثر من باحث، بمن في ذلك باحثون إسرائيليون، مثل آفي شلايم، فكرة التجاهل أو التغييب للسكان الأصليين العرب الفلسطينيين في التفكير الصهيوني، وذلك منذ هجس هيرتزل بمشروع "الدولة اليهودية". وأكد شلايم، في بحثه المهم "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربيّ"، ما سبق أن أشار إليه غيره، وهو أن مؤسسي الصهيونية لم يروا السكان الأصليين بصورة عامدة، وعن وعي كامل. وربما يرجع هذا إلى إدراكٍ استشرافي لما سيترتب على تنفيذ مشروع إنشاء دولة الاحتلال من جرائم مريعة بحقّ هؤلاء السكان، أشدّها جريمة التطهير العرقي. 

وما يثبت أن عدم الرؤية السالفة كانت عن طريق العمد، من بين أمور أخرى، أنه بعد المؤتمر الصهيوني الأول، في عام 1897 في بازل، قرّر حاخام فيينا أن يستقصي أفكار هيرتزل المبثوثة في كتابه "الدولة اليهودية"، فأرسل مندوبين عنه إلى فلسطين، في مهمةٍ وصفت بأنها لتقصّي الحقائق. ووجّه هذان المندوبان برقية من فلسطين يقولان فيها: "العروس (أي فلسطين) جميلة، لكنها متزوجة من رجل آخر". وعن هذه البرقية قال شلايم إنها تضمنت المشكلة التي ستتعارك معها الحركة الصهيونية منذ البدء وحتى إشعار آخر. وهذه المشكلة هي بطبيعة الحال "السكان العرب الذين يعيشون على الأرض التي أرادها اليهود لإنشاء دولتهم". ويضيف أن الرأي الناتج عن ذلك كان أن الحركة الصهيونية، باستثناء مجموعات صغيرة هامشية، فضلّت أن تتجاهل العرب الموجودين في فلسطين الذين شكلوا ما سُمِّيت لاحقًا: المسألة العربية! 

السكان العرب في فلسطين كانوا "السؤال الغائب"، بموجب رؤية المربي يتسحاق إبشتاين عندما كتب عام 1907 يقول: "إننا نولي الاهتمام لكل شؤون البلد (فلسطين)، ونبحث كل شيء، ونتناقش على كل الأمور، ونمجد كل شيء ونفتديه، لكننا نسينا شيئًا واحدًا، هو أنه يوجد في البلد شعبٌ كامل يتمسّك به منذ مئات الأعوام، ولم يفكر بتركه أبدًا". 

وقبل هذا النصّ الذي يعتبره بعض المستأنفين على أراجيف الصهيونية رائدًا في رؤية "المشكلة العربية"، أشار آحاد هعام في مقالته "الحقيقة من أرض إسرائيل" (1891)، إلى أنه "تعوّدنا في الخارج على الاعتقاد أن أرض إسرائيل تكاد تكون مقفرة، صحراء جرداء، وأن كل من يرغب بشراء أرض فيها بمقدوره أن يأتي ويشتري ويحقّق رغبته. لكن الحقيقة أن الأمر ليس على هذا النحو. في كل البلد، من الصعوبة بمكان العثور على حقول زراعية لم تتم حراثتها وزراعتها". 

أما زلنا بعد هذا كله نتساءل حول جوهر الصهيونية؟

(العربي الجديد)