لماذا لا نسمع دعوات لمقاطعة العفولة؟

لماذا لا نسمع دعوات لمقاطعة العفولة؟

سليمان أبو إرشيد

إجماع بلدية العفولة على منع العرب من السكن في المدينة في طقس عنصري، أقسم خلاله كافة أعضائها بالحفاظ على "طابعها اليهودي"، وإغلاق المتنزه البلدي في وجوههم، هو بمثابة إعلان حرب على العرب الذين يشكلون القوة الشرائية الأساسية للمدينة.

وفي الحرب كما في الحرب، لا يمكن إلا أن يكون الرد إلا بالمثل، وأن يصبح استعمال جميع أسلحة الدفاع عن النفس مشروعًا، خاصة إذا كانت المعركة عادلة وهي جزء من  صراع تاريخي على الوجود الفلسطيني على هذه الأرض. كما أنه من غير المعقول أن نتلقى الإهانة تلو الإهانة والضربة تلو الضربة ونحن ساكتون، نتجول في  أسواقها ونتسوق في متاجرها،  نزيد من  ربح  تجارها ونضاعف من ريع  ضرائب  بلديتها العنصرية، التي لا تطيق وجودنا  كسكان ومتنزهين في فضاء المدينة، وتصر على الاستفادة من وجودنا كمستهلكين ومتسوقين.

في وقت بات فيه "قانون القومية" العنصري يوفر الغطاء القانوني لمثل هذه الطقوس والإجراءات المعادية للعرب، مثل إغلاق المتنزه البلدي أمامهم ورضوخ المحكمة لموجة الاحتجاج وإلغاء مناقصات البناء التي فاز بها مواطنون عرب، في مثل هذا الوقت بالذات، يجب عدم السكوت على هذه الإجراءات ووضع من يقف من ورائها أمام ميزان الربح والخسارة.

فكلنا يعرف أن العفولة هي تلك المدينة "الرمادية" التي تطلق على نفسها "عاصمة المرج"، ظلت تراوح مكانها سنوات طويلة إلى أن ضاعفت الهجرة الروسية والأثيوبية في نهاية التسعينيات عدد سكانها لتصل إلى 50 ألفا، وأن تلك الهجرة لم تشكل رافعة اقتصادية للمدينة بل زادت بلة في طين واقعها الاقتصادي الاجتماعي الصعب، حيث تقع المدينة اليوم في العنقود الخامس من السلم الاجتماعي الاقتصادي، ليس بعيدا عن أم الفحم والناصرة وغيرها من البلدات العربية.

وإذا كانت " الهجرة العربية"، إن صح التعبير، إلى مثل هذه المدن على غرار العفولة ونتسيرت عيليت وكرمئيل، تشكل حلا لأزمة السكن، فإن البلدات العربية تخسر نتيجتها المئات وربما الآلاف من أصحاب المهن الحرة ذوي  الثقافة العالية والدخل المرتفع، الذين يساهمون بالتالي في رفع المستوى الاجتماعي الاقتصادي للمدن الإسرائيلية الوافدين إليها، وليس العكس. وعمومًا، فإن تلك الطبقة تتشكل في منطقة الشمال بمعظمها من العرب، لأن نظراءهم من الإسرائيليين يهاجرون إلى منطقة تل أبيب بحثا عن المال ومستوى الحياة.

وتشكل العفولة بمؤسساتها الخدمية وشبكاتها التجارية مركزا مدينيا واقتصاديا لأكثر من 150 ألف نسمة من البلدات المحيطة، غالبيتها العظمى من العرب، حيث يلتف حولها حزام سكاني عربي من شأنه أن يخنقها مثلما يحييها، إذا ما قرر سكانه التعامل معها بالمثل والدعوة إلى مقاطعة مراكزها ومحلاتها التجارية، خاصة وأن جنين و الناصرة ونتسيرت عليت تبعد كل منها مسافة بضع دقائق من العفولة، ويمكن أن تشكل مراكز بديلة عنها.

في الآونة الأخيرة تنتصب على مداخل العفولة وجنبات شوارعها الرئيسية عشرات العمارات، التي بنيت ضمن ما يسمى بـ"مشروع السقف الحكومي"، الذي يضم 11 ألف شقة سكنية جديدة، وفي إطار خطة مضاعفة سكانها إلى 100 ألف نسمة، ويشمل إلى جانب الشقق السكنية تطوير البنى التحتية ومشاريع استثمارية وتعليمية وتكنولوجية، حيث يبلغ مجموع الاستثمار الحكومي في مجملها 850 مليون شيكل.

من جانبها تتخوف إدارة البلدية وأعضاؤها العنصريون من "امتلاء" جزء كبير من تلك الشقق بالعرب، الذين باتوا يشكلون قوة اقتصادية مقتدرة وتعاني قراهم ومدنهم في الوقت ذاته من أزمة سكنية خانقة، ولذلك يحاولون استباق الأحداث بإقامة موانع نفسية ومادية، على غرار ما حدث في قضية المناقصات وكذلك التظاهر أمام أصحاب البيت العرب في المدينة، وصولا إلى الطقس العنصري الذي أقامته البلدية.

ومن المستغرب أن تلك الأفعال العنصرية المقززة تمر كل مرة مرور الكرام، دون أن تلقى أي رد موازي، فلماذا لا تتحرك المجالس المحلية العربية التي تطال سكانها تلك الإجراءات والعقوبات؟ ولماذا لا تدعو اللجنة القطرية ولجنة المتابعة إلى مقاطعة أسواق العفولة ومتاجرها؟