حل الدولتين: هل نفرح أم نحزن لقرار الاتحاد الأوروبي؟

حل الدولتين: هل نفرح أم نحزن لقرار الاتحاد الأوروبي؟

عوض عبد الفتاح 

لم يعد ترديد التأكيد على "حل الدولتين" على لسان منظمات دولية أو مسؤولين دوليين، يحرك عاطفة الفلسطينيين، سوى أنه يدغدغ أهواء المسؤولين الفلسطينيين المحبوسين في المقاطعة في رام الله؛ فالبيان الذي صدر عن 8 دول أوروبية، يوم الثلاثاء الماضي، والذي يؤكد على حل الدولتين، وإن جاء استباقا لعزم البيت الأبيض الإعلان عن صفقة تصفية القضية الفلسطينية في غضون أسابيع، فإنه لن يكون له أي أثر فعلي لصالح الفلسطينيين على المدى الإستراتيجي، ويمكن الجزم أن  صدور هذا القرار يأتي في إطار الخصومة الأوروبية مع سياسات التاجر الأهوج والخطير، دونالد ترامب، وليس نتاج  قناعة راسخة، وإرادة فاعلة لممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، والتخلص الكامل من التبعية لسياسات البيت الأبيض التي تعود إلى عشرات السنين.

يأتي هذا التأكيد المكرر والمبتذل ليخفي إخفاقا دوليا يصل حد التواطؤ مع جرائم إسرائيل، بل بعد أن جذرت إسرائيل وجودها الاستيطاني الاستعماري في الأرض المحتلة عام 1967 بالحديد والنار والقوانين الصهيونية.  إنها ضريبة كلامية تلازم الدعم الأوروبي والدولي المادي لسلطة رام الله لتأبيد أوسلو والمقولات الزائفة التي أفرزها مثل عملية السلام، ومن أجل مواصلة إعفاء نفسها من مسؤوليتها الأخلاقية تجاه قضية شعب هي الأكثر عدالة على هذه الأرض. ويرى كثيرون أن هذا الدعم المالي، وبالتحديد أهداف هذا الدعم، من أخطر العوامل التي تقف وراء هذه الحالة الفلسطينية الرسمية البائسة والمهزومة.

إن هذا الدعم اللفظي والمادي كرس واقع الاحتلال، وكرس الوهم بأن عملية سياسية جارية نحو الحل، في حين أن الحل، حل الدولتين، بات بعيدا جدا، بل بات وهما قاتلا، وأن استمرار التعلق به من دون إحداث تغييرات على مفهوم الصراع، واعتماد مقاربات ووسائل وإستراتيجيات جديدة، هو بمثابة شرعنة الجريمة الصهيونية.  إنه حل تصفوي وغير عادل منذ الأساس وفاقد الشرعية.

لا تريد أوروبا ولا غيرها أن ترى الواقع الإسرائيلي على حقيقته، والتحولات الخطيرة على بنية هذا الكيان، أيديولوجيا وثقافيا، إذ واصلت هذه القارة العملاقة اقتصاديا مهادنة إسرائيل والتجاوب مع ألاعيب قيادتها وفذلكاتها بخصوص شروط السلام؛ نعم، بعض القيادات الأوروبية الغربية غاصبة من سياسات إسرائيل، ولكنها ليست حازمة وتنقصها الشجاعة، وذلك لأسباب كثيرة منها العلاقة التاريخية مع المسألة اليهودية، والتبعية للسياسات الأميركية، والبنية الطبقية لهذه القيادات.

على من تقع مسؤولية تغيير المقاربة للصراع؟ ومن الأولى بالقيام بهذه المهمة؟

من الطبيعي أن يقوم بذلك صاحب القضية، وبالتحديد الذين يمسكون بدفة القيادة الفلسطينية؛ لكن إذا كان هؤلاء أسرى عملية أوسلو وإفرازاتها الثقافية والاقتصادية والسياسة والأمنية، فكيف نطلب منهم القيام بذلك؟ هل فاقد الشيء يعطيه؟ أو هل الذي سلم إرادته وبات عجزه بنيويا ومزمنا، يستطيع أن يطلق خياله ويحرر إرادته؟

في هذه الحالة، يُحال الأمر إلى القوى الشعبية ونخبها الحرة، الناقدة والغاضبة، ولكن أيضا هذه القوى التي لم تقصر في إعادة تحديد طبيعة المواجهة، إعادة تأطير الصراع باعتباره صراعا تحرريا من نظام استعماري وفصل عنصري، وليس صراعا حدوديا، تواجه تحديات موضوعية أخطرها الانقسام والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، والأكثر خطورة هي أجهزة الإعلام التي باتت بوقاً لسلطة أوسلو ومدرستها ومفاهيمها. وأجهزة الإعلام هذه، تتحمل مسئولية أخلاقية عن استمرار التشوه الثقافي وتكريس مفردات غريبة عن حركات التحرر الوطني، وعن تضييع فئات واسعة من الأجيال الشابة.

 ولكن لا يوجد بديل آخر حتى الآن، سوى هذه القوى الشعبية، التي تضم الشباب والأكاديميين ومثقفين مستقلين. فالقوى الشعبية غير المرتبطة ببنى السلطة والانقسام قادرة على مواصلة النقد وممارسة النقد وتشكيل الخطاب الوطني التحرري الأصيل؛ وهي أيضا موجودة على أرض المواجهة اليومية في قطاع غزة والضفة الغربية، وأيضا في الأرض المحتلة عام 1948.

وكما نعلم، ليست سلطة رام الله وحدها، ولا أقطاب القائمة المشتركة في الكنيست، الهابطة في خطابها السياسي، من يتواصل مع الاتحاد الأوروبي أو منظمات دولية أخرى، بل يتواصل أيضا فلسطينيون وفلسطينيات أحرار، سواء ممن يعيشون في فلسطين أو الذين عاشوا أو نشأوا في أوروبا أو في أميركا أو في دول أخرى. ومثال على ذلك، نشطاء حركة المقاطعة BDS، الذين يحملون خطابا مختلفا، مبدئيا ووطنيا، وإنسانيا وأخلاقيا غير مشوه، وغير خانع.

لذا، ليس التأكيد على حل الدولتين مصدر فرح، بل هو سبب للخوف؛ الخوف من مواصلة تكريس الوهم، وهم السلام، في الوقت الذي أكمل المستعمر الصهيوني مشروعه في كل فلسطين. إنه مصدر خوف لأنه يعفي الأوروبيين من واجبهم الفعلي، ويعفي سجناء المقاطعة من التفكير وتحرير إراداتهم. لقد أشبع المستعمر حل الدولتين موتا، ولا بد من مواجهته على أنه كولونيالية عنصرية، وما يترتب عنها من إستراتيجيات عمل مناسب.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية