أبرياء من دم الشعب السوري!

أبرياء من دم الشعب السوري!

سهيل كيوان

عادت دولة الإمارات لفتح سفارتها في دمشق، وهناك دعوات لإعادة تأهيل النظام السوري للعودة إلى جامعة الدول العربية، وهذا جاء بعد زيارة الطاغية من الخرطوم لزميله في دمشق.

هذه العودة والدعوات تقول أمرين، إما أنه لا شأن لأنظمة الخليج بدماء السوريين التي أريقت، ولا شأن للنظام بما جرى، أو أن لكليهما علاقة مباشرة أو غير مباشرة، ولكنهما متفاهمان ضمنا على الموقف العام، وحان وقت العودة إلى ما كان قبل الثورات العربية. 

الحقيقة التي يعرفها الجميع أن دولة الإمارات والسعودية ما كانت لتخطو هذه الخطوة من دون مباركة أميركية، هذا من البديهيات، فهذه من الدول التي تحارب وتتجنّد، وتعلن حالة الطوارئ عندما يطلب منها الأميركيون وآل سعود ذلك من دون نقاشات، كما حدث في الحرب على اليمن، الآن يطلبون منها بكل بساطة العودة إلى علاقات طبيعية مع نظام الأسد، وليس عليها سوى أن تنفّذ، هذا يعني أن نظام الأسد مقبول، ومرحب بعودته وإعادة تأهيله، وكل هذا يتزامن مع الهرولة من الجهة الأخرى على التطبيع مع إسرائيل، بتوجيه أميركي أيضًا. 

الصورة التي كانت ملتبسة على الكثيرين، تتضح الآن أكثر وأكثر، وهي أن مصلحة  النظام في البقاء في الحكم وعدم التنازل لشعبه، التقت مع هذه الأنظمة التي سعت لتخريب الثورات العربية وتشويه أهدافها، لوأدها على الأرض السورية، ومنعها من الانتقال إلى أقطار عربية أخرى، كما كان الاتجاه واضحا في بداية الربيع العربي، حيث ظهرت بوادر الحراكات الشعبية في معظم أقطار العالم العربي، ولم ينج منها أي نظام تقريبا، بما فيها جنوب السعودية والبحرين والأردن إضافة الى مصر واليمن وليبيا وتونس والمغرب، الأمر الذي جعل كل نظام يبحث عن خلاص من مصيره الحتمي بتحالفات ظاهرة وباطنة لا هدف لها سوى النجاة من غضب الشعوب، حتى ولو كان بثمن إبادة وتشريد ملايين البشر، وكان تنظيم "داعش" وسيلة آل سعود والإمارات مدعومتين أميركيا في شيطنة الثورة لتسهيل ذبحها، وهذا ما خدم النظام الذي ألبس كل الشعب السوري الثائر ثوب "داعش" بدعم من حلفائه، روسيا وإيران وحزب الله.  

الآن بعد دفن الثورة السورية من خلال التخريب ودس "داعش" لاختطافها ومن ثم شيطنتها وشيطنة كل من يتحدث باسم الربيع العربي، الآن بعد انتهاء المهمة القذرة التي قامت بها دول خليجية وعربية وفي مقدمتها السعودية وبدعم أميركي، باستطاعة هؤلاء المجرمين أن يعودوا إلى العلاقات الطبيعية مع نظام خدمهم وخدموه في الهدف مشترك.

أميركا راضية، والأنظمة راضية، ورسالتهم أن على الشعوب العربية أن تفهم الدرس، بأن من يفكر بتغيير الوضع القائم، يكون مصيره التشرّد والقتل والشيطنة و"الدعشنة" حتى الإبادة. 

هكذا تريدكم أميركا، لا حرية ولا ديمقراطية، فالحرية لن ترضى بالتخلف المؤبد، ولن ترضى بإهدار أموال الشعوب على التسلح، ولن ترضى بتأبيد الاحتلال. 

ما يجري الآن هو محاولة إعادة المنطقة إلى ما كانت عليه قبل الربيع العربي، إلى مرحلة الخنوع طويل الأمد. الرسالة هي أنّ الشعوب التي حاولت التحرّر، هُزمت وشرّدت ودُمّرت وخربت بيوتها، ولتحيا الأنظمة. 

إلا أن الثورات التي بدأت من تونس مرّت وسوف تمر باهتزازات قوية، ولكنها التربة التي ستنبت فيها الثورات القادمة، وهذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي تفشل فيها المحاولة الأولى، هكذا كانت ثورة أكتوبر في روسيا القيصرية، فقد سبقتها ثورة عام 1907 وفشلت واستغرقها عقد من الزمن حتى تعود وتنتصر على القيصرية، وتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ روسيا.

انتفاضة شعب السودان ضد الطاغية، عمر البشير، خلال زيارته للجلاد في دمشق، والتي ما زالت مستمرة حتى اليوم رغم القمع والتجاهل الإعلامي، تقول بالضبط ما الذي تعدّه وتنوي له الجماهير العربية. 

إضافة لذلك، لا نغفل ما جرى ويجري في المغرب العربي من حراكات شعبية بمقاطعة المواد الغذائية مرتفعة الأسعار، حتى إرغام منتجيها ومسوّقيها على تخفيض أسعارها. 

كذلك لا يمكن تجاهل مظاهر الاعتراض على التطبيع في الأردن، والتي كان آخرها في دوس علم إسرائيل في مبنى النقابات المهنية.

لقد أسرع الطاغية في السودان باتهام الحراك الشعبي بالخيانة والتآمر، وهي اللهجة واللغة نفسها التي تحدث فيها صديقه الجديد القديم بشار الأسد، وغيره من أنظمة، في اللهجة والمنطق نفسه عندما تتحرك شعوبها.

الشعوب لن تستسلم، ولا بد من تلك اللحظة التي تنتصر وتأخذ مصيرها بأيديها، وهذا ليس بعيدًا في حسابات الشعوب والأمم، فهذه الأنظمة وصلت إلى نهايتها، والكلمة الأخيرة للشعوب، مهما بدت صامتة أو مستسلمة للأمر الواقع، فالشعوب تمهل ولكنها أبدا لا تهمل.