سلطة نسبة الحسم والعودة إلى اللون الواحد

سلطة نسبة الحسم والعودة إلى اللون الواحد

سليمان أبو إرشيد

مصطلح "الوسط العربي" هو ترجمة غير دقيقة للتعريف الذي أرادت إسرائيل إسباغه علينا، نحن الذين وقعنا تحت المواطنة الإسرائيلية بعد نكبة 1948، في حين أن الترجمة الصحيحة هي "القطاع العربي". ويذهب الكثيرون من النشطاء اليهود بين أوساط "اليسار" خصوصًا، إلى إسقاط العربي وتسميتنا "تحببًا" بالقطاع وبلغتهم "هَمِجزار".

أما الترجمة السياسية لهذا التعريف، فتتمثل طبعًا بإلغاء الكيانية المستقلة لعرب هذه البلاد وإلحاقهم بالحالة الإسرائيلية، على غرار "قطاع الحريديين" وقطاع "المتدينين اليهود" وغيرهما من ألوان الطيف الإسرائيلي.

لتكريس هذه الحالة، وضعت إسرائيل منذ عام 1948 إستراتيجية كاملة تمثلت بما سمي بسياسة "الضبط والسيطرة"، التي شكلت عملية منع إقامة أحزاب وحركات سياسية عربية مستقلة إحدى ركائزها، وهو ما جعل الحزب الشيوعي يحتكر الساحة لعقود طويلة، ليس بسلطة "دكتاتورية البروليتاريا" التي سادت في أقطار كثيرة من العالم في ذلك الوقت، وانفردت فيها العديد من الأحزاب الشيوعية بالسلطة، بل بفعل القمع المؤسساتي لحالات تشكل الكيانية السياسية التي تعبر عن الهوية الوطنية الفلسطينية، والرغبة بإلحاق المجتمع العربي بالحالة الإسرائيلية، من خلال شريان العمل السياسي اليهودي - العربي المشترك الذي مثله الحزب الشيوعي.

في نطاق تلك السياسة أخرجت حركة الأرض عن القانون، ولوحقت حركة أبناء البلد ومنعت النقابات والاتحادات وأغلقت الجرائد والمجلات، وجرى قمع جميع محاولات خلق حراك سياسي وثقافي، يعبر عن الملامح الوطنية للمجتمع الفلسطيني في الداخل خارج السياق الإسرائيلي.

هذا الوضع استمر حتى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وانكسر بتشكيل الحزب العربي الديمقراطي والحركة التقدمية ثم التجمع الوطني الديمقراطي، بالتوازي مع بروز التيار الإسلامي وتشكيلاته السياسية والتي شكلت بمجموعها قسمات الوجه السياسي الوطني للداخل الفلسطيني، كحالة تكاملية مع الكل الفلسطيني في مختلف مواقع تجمعاته.

كان من الطبيعي أن لا يروق هذا  التطور الذي ترافق مع تشكيل وتعزيز الهيئات والمؤسسات الجامعة، مثل اللجنة القطرية للرؤساء ولجنة المتابعة العليا ولجان الطلاب واتحادهم، أن لا يروق المؤسسة الإسرائيلية التي اعترضته بمسارين متوازيين.

المسار الأول، محاولة إغلاق ساحة العمل السياسي خارج الكنيست بإخراج الحركة الإسلامية الشمالية وغالبية المؤسسات المتفرعة عنها عن القانون، في حين ما زالت تلاحق قادتها وكوادرها وتفرض الحبس المنزلي على رئيسها الشيخ رائد صلاح، إلى جانب تضييق هامش نشاط أبناء البلد وقمع كوادرها ووضع زعيمها رجا إغبارية قيد الحبس المنزلي.

أما المسار الثاني، فتمثل بتقليص حرية حركة الأحزاب المشاركة في انتخابات الكنيست، وهي سياسة بدأت بنزع الشرعية عن مجمل الأحزاب العربية، وتواصلت بملاحقة الأحزاب التي تعتبر راديكالية من وجهة نظر إسرائيل، وتعززت بقمع النزعات الأكثر راديكالية داخل هذه الأحزاب.

وإذا كنا نتحدث عن التجمع الوطني الديمقراطي، فبعد النفي القسري الذي انتهت إليه ملاحقة زعيمه عزمي بشارة، تم إيداع النائب باسل غطاس في السجن، كما جرى لاحقا لجم بعض "النزعات المشاكسة".

والسؤال الذي نريد أن نصل إليه لا يقتصر على دور القائمة المشتركة في عملية الضبط تلك، إلى جانب خفض السقف السياسي المشترك ومحاصرة محاولات اختراقه، بدعاوى الوحدة والحفاظ على "الإنجاز الوطني الكبير" المتمثل بالمشتركة وصيانته، السؤال هو هل أعادتنا القائمة المشتركة إلى حقبة التجانس السياسي القسري الذي لم تفرضه، كما أسلفنا، سلطة "دكتاتورية البروليتاريا"، بل سلطة الحكم العسكري و"الشاباك"؛ حقبة احتكار اللون الواحد والبرنامج الواحد، بفارق بسيط، أن ذلك يتم اليوم بسلطة نسبة الحسم.

وهل نرضى بأن تعيدنا إسرائيل القهقرى عقودا إلى الوراء، لنصبح مجرد قطاع من الحالة الإسرائيلية، بعد أن قطعنا شوطا كبيرا في تشكيل حالة فلسطينية خاصة، بكل مكوناتها وألوانها السياسية وحراكها الداخلي الذي تضبطه الوحدة في إطار المؤسسات والأطر الوطنية الممثلة لها، وليس من خلال نسبة الحسم ولا من خلال الكنيست. 

إنها ليست دعوة لحل القائمة المشتركة، بل محاولة لصيانة المركبات التي تؤلفها، لأن تآكل تلك المركبات من شأنه تقويض الحوامل التي تنهض بالقائمة المشتركة، ويؤدي بالتالي إلى انهيارها، كما تحييد الاختلاف والنقاش والحراك السياسي الداخلي ليس فقط يحولنا إلى مجرد قطاع إسرائيلي، تحتل القائمة التي تمثله نسبة عالية في الاستطلاعات الإسرائيلية، من دون أي تأثير يذكر على مجريات السياسة، بل يفتح أيضًا الباب واسعًا أمام نزعات الشخصنة والمخترة السياسية التي انتعشت في الآونة الأخيرة.