كيف يُخفق التجمع في مشروعه دولة جميع مواطنيها؟

كيف يُخفق التجمع في مشروعه دولة جميع مواطنيها؟

ربيع عيد

توجّه حزب التجمع الوطني الديمقراطي إلى المحكمة العليا الإسرائيليّة قبل أسبوعين، بطلب التماس ضد قرار رئاسة الكنيست شطب مشروع قانون "دولة كل مواطنيها"، ومنع طرحه وشرحه والتصويت عليه في الكنيست. مرّ منع تقديم مشروع القانون والتوجّه للمحكمة لمنع المنع، كحدث اعتيادي عابر دون أي ضجّة، في الوقت الذي يُتوقع من التجمع أن يستغل هذا الحدث لفضح نظام الأبرتهايد الإسرائيلي و"الديمقراطيّة الإسرائيليّة" على مستوى عالمي والتجنيد من أجل برنامجه السياسي من خلال حملة شعبية وإعلامية، تُعيد إلى الواجهة المشروع السياسي الأهم والأنضج للفلسطينيين في أراضي الـ48.

دخل التجمع الساحة السياسيّة ببرنامج سياسي تميّز فيه عن باقي الأحزاب العربية، من خلال طرحه شعار دولة كل مواطنيها وتعريفه أن تحقيق المساواة للجميع يكون فقط من خلال دولة المواطنين، بالإضافة للحكم الذاتي الثقافي. استطاع هذا الخطاب أن يهيمن بين الفلسطينيين في الداخل وانعكس في وثائق التصور المستقبلية لمؤسسات المجتمع المدني عام 2006، كما استخدمته الأحزاب العربية الأخرى والعديد من النخب والمثقفين وأصبح خطاب التجمع الخطاب السائد بين المجتمع العربي الفلسطيني في أراضي الـ48. 

لم يقدّم التجمع في السابق اقتراحَ قانونٍ مماثلا، وهذه هي أول مرة، وهي أيضًا خطوة جاءت ردًا على "قانون القوميّة" العنصري. الجميع يدرك في حال سمح الكنيست بتقديم مشروع القانون أنه لن يمر من خلال عملية التصويت المحكومة بأغلبية صهيونية داخل الكنيست، كما يدرك التجمع أن أحد أسباب دخوله للكنيست جاء لفضح التناقض بين مقولة دولة يهودية وديمقراطية وليس لأنه مؤمن بديمقراطية إسرائيل، وبهدف إعلاء صوت المواطنين العرب وقضاياهم السياسية النابعة من سياسة التمييز العنصري، وذلك كله ضمن ظروف المواطنة الإسرائيليّة والهويّة الفلسطينيّة.

نجح التجمع لسنوات طويلة في استغلال منبر الكنيست بهدف نشر أفكاره وطرح برنامجه، واضطر للتوجه للمحاكم عدّة مرات بسبب محاولات شطبه أو ملاحقاته بسبب طرحه وأدائه، وكانت تلك كلها مناسبات لإثارة الجدل أمام الرأي العام وفي وسائل الإعلام حول تناقض تعريف إسرائيل لنفسها كدولة يهودية وديمقراطية، وفضح زيف الديمقراطية الإسرائيليّة، وكانت له في ذلك محطّات بارزة أثرت على الوعي العام وساهمت في بناء خطاب سياسي جديد. لكن ما شهدناه الشهر الماضي يدعو للتساؤل حول مدى إخفاق التجمع في تعامله مع هذه القضية.

كان بإمكان التجمع إطلاق حملة شعبية واسعة لتعبئة الرأي العام، مصحوبة بحملة إعلاميّة كبيرة تستهدف شرائح مختلفة. كما كان بإمكانه التوجه لمؤسسات المجتمع المدني وإشراكها، والتوجه للسفراء الأجانب في تل أبيب، والتواصل مع وسائل إعلام عالمية، وشخصيّات مؤثرة، وتحويل قضية "دولة كل مواطنيها" إلى قضية عامة تخص وتُشغل الجميع، وليس التجمع وحده الذي لم ينجح في إحضار كوادره لقاعة المحكمة، التي ردت لاحقًا بالسماح لرئاسة الكنيست بمنع تقديم القانون بحجة الانتخابات المقبلة لينتهي الموضوع هنا.

وفي هذه المناسبة، لربما من الأفضل للتجمع أن يتوقف عند إخفاقه في هذه المعركة التي مرّت كأن شيئًا لم يكن ويقوم بمراجعة تنظيمية سياسية ذاتية، ويحاول أن يفهم إخفاقه في عدة أماكن أخرى أوّلها بناء مؤسساته الداخلية (نحن في عام ٢٠١٩ والتجمع بدون موقع إلكتروني وصحيفته الرسمية متوقفة عن الصدور منذ أكثر من سنتين)، فمن يطالب بانتخاب لجنة المتابعة وإعادة تنظيمها بشكل مهني وعصري، عليه أن يبني، أولًا، مؤسساته الداخلية كذلك، ومن يحمل شعار "الحكم الذاتي الثقافي" عليه أن يسأل نفسه عن دور المثقفين والثقافة داخل الحزب وتقلص دور الحزب في جذب المثقفين المنتجين. أسئلة وقضايا كثيرة مطروحة أمام التجمع يجب عليه أن ينشغل فيها قبل أن ينشغل بحمى البرايمرز الداخلية لانتخاب قائمته في انتخابات الكنيست القادمة. وإن لم يقم بذلك في هذه المرحلة ويأخذ الشباب دورًا نقديًا وعمليًا في هذه المراجعة بعيدًا عن تجاذبات الاصطفافات الداخلية، سيتحول التجمع إلى هيكل تنظيمي ركيك وضعيف غير مؤثر في ظل واقع سياسي واجتماعي لا يبشر بالخير أو يدعو للتفاؤل.