أحمد طيبي.. عشرون عامًا من التحالفات والابتزاز

أحمد طيبي.. عشرون عامًا من التحالفات والابتزاز

ربيع عيد

لم يكن للنائب أحمد طيبي أن يصل إلى الكنيست لولا الأحزاب العربيّة. هذه حقيقة أنتجتها لنا الأحزاب السياسيّة المشاركة في الكنيست، وجميعها ساهمت في صناعة ظاهرة غير حزبيّة اسمها "أحمد طيبي"، حيث أصبحت تشكل اليوم تهديدًا للأحزاب نفسها وتبتزها بعد أن تحالفت معها. طيبي، الذي بدأ مشواره في الكنيست عام 1999، بالتحالف مع الأحزاب، يطرح نفسه بعد عشرين عامًا مقابلها جميعًا. كيف حصل كل هذا؟

في عام 1996 أسس طيبي الحركة العربيّة للتغيير وأعلن عن خوضه لانتخابات الكنيست، إلّا أنه انسحب حينها ليعود عام 1999 بتحالف مع التجمع الوطني الديمقراطي في المقعد الثاني، انفرط بعد أشهر بسبب خلافات سياسيّة أبرزها رغبته أن يكون عضوا في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، الأمر الذي كان يرفضه التجمع مطلقا وأثار تساؤلات عن علاقاته بالمؤسسة الإسرائيلية، بالإضافة إلى رفض قطاعات واسعة بالتجمع لهذا التحالف والتشكيك بمساهمة طيبي الانتخابية الذي كان همه ضمان مقعده فقط، ومن هنا بدأ طيبي يشق طريقه بتحالفات جديدة. في انتخابات عام 2003، تحالف مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وكان له المقعد الثالث، لينشق عن الجبهة عام 2006، بعد عدم تمكنه من الحصول على مقعد ثانٍ له، ليتحالف مع الحركة الإسلاميّة في المقعد الثاني من ذلك العام، الأمر الذي سيتكرر، أيضًا، عامي 2009 و2013، إلى حين تأسيس القائمة المشتركة عام 2015 ليضمن لنفسه مقعدًا له وآخر لصهره أسامة السعدي بالتناوب لمدة سنتين حسب الاتفاقية، دون أن ننسى ذكر استيلاء العضو الثالث في قائمة العربية للتغيير، وائل يونس، أشهرًا عديدة على مقعد التجمع بعد استقالة النائب باسل غطاس ودخوله السجن.

إذا نظرنا إلى برنامجه السياسي، نلاحظ أن حتّى ما يطرحه من شعارات سياسيّة هو تقليد. فالمسعى السياسي للحركة العربيّة للتغيير هو تحويل إسرائيل إلى "دولة جميع قومياتها" وهي محاولة لتقليد شعار "دولة جميع مواطنيها" الذي طرحه حزب التجمع ضمن مشروعه السياسي عام 1995. وليس غريبًا أن لا نسمع أحدًا يتحدث بشعار "دولة جميع قوميّاتها"؛ لا في الإعلام، ولا في الأكاديميا، ولا جماهيريًا ولا حتّى من جمهور طيبي نفسه. ما يشتهر به طيبي هو إطلالاته في الكنيست التي حوّل القسم الأكبر منها إلى تهريج سياسي وصل حد التكرار والابتذال. وفي عالم أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي مكانًا لبروز النجوميّة فارغة المضمون والمعنى، أتقن طيبي لعبة جديدة في الإعلام الجديد وتحوّلت فيديوهات خطاباته في الكنيست إلى مادة متناقلة بين شريحة لا يستهان بها من الشباب، ترى في أسلوب طيبي "المواجه" و "الغاضب" في الكنيست مكانًا لتفريغ غضبه ضد سياسات إسرائيل، لكن من دون أن يؤسس ذلك الغضب لتأطير سياسي أو مواجهة، وغالبًا ما يؤسس فقط لترفيه سياسي.

ومن المستغرب، أيضًا، أن البند الأول في برنامج طيبي بحسب الموقع الرسمي للعربية للتغيير هو الالتزام "بقيم عليا تعمل الحركة على ترسيخها ونشرها في مجتمعات العالم العربي بأسره أساسها حقوق الإنسان والمواطن والديمقراطية وحرية الحركة والعمل السياسي"، مع العلم أننا لا نذكر موقفًا واحدًا لطيبي من الثورات العربيّة، بالإضافة إلى صمته على جرائم الأنظمة العربيّة بحق الشعوب المطالبة بالتحوّل الديمقراطي والحريّة من الاستبداد. بل وتدور تساؤلات حول علاقات له مع أنظمة وشخصيّات دعمت الثورات المضادة، مثل الإمارات ومحمد دحلان.

وفي نفس الوقت، لا نذكر له أي انتقادات وُجّهت إلى السلطة الفلسطينيّة ولرئيسها، محمود عبّاس، إن كان على صعيد انتهاكاتها حقوق الإنسان أو المسار السياسي التفاوضي الذي قضى على المشروع الوطني الفلسطيني والتنسيق الأمني مع الاحتلال. كما لم نسمع منه كلامًا ضد تصريحات شخصيّات في السلطة لا تمانع في أن تعرّف إسرائيل نفسها كدولة يهوديّة.

وما يثير الاستغراب، أيضًا، أن الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو كان يمرر قوانين اجتماعيّة كان يطرحها طيبي، فيما كان يمتنع عن ذلك على مبادرات طرحها نواب عرب آخرون في القائمة المشتركة. وما يزيد من الاستغراب لدرجة عدم الاستغراب؛ أن خطوة طيبي المفاجئة بالانشقاق عن القائمة المشتركة جاءت من دون انتقادات سابقة للمشتركة. كيف نُصدّق ادّعاءات طيبي ضد المشتركة التي جاءت فقط بعد الإعلان عن الانتخابات؟ وإذا كان يطالب بحق بانتخابات داخلية وديمقراطية في المشتركة، كيف له ذلك وهو نفسه بعيد كل البعد عن ديمقراطية داخلية في حزبه الذي يتبوأ فيه المناصب الأقارب والمقربون؟ وإذا كان يطرح لنا اليوم شعار "خلّي الشعب يقرر" نسأله عن "قرارات الشعب" في العربية للتغيير ولماذا لا يتبدل هو عن المقعد الأول منذ عشرين عامًا؟ لماذا لم يستقل ليدخل النائب أسامة السعدي مكانه؟ وهل من يقرر هو الشعب أم رؤساء سلطات محلية؟

يفاخر طيبي بقوّته من خلال استطلاعات الرأي، وكان آخرها استطلاع أجرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" لا نعلم كيف أجرته وما هي العيّنة التي أُخذت ومن أي بلدات؟ ومن هو المركز القيّم على الاستطلاع؟ ولماذا الاحتفاء باستطلاعات عن المجتمع العربي تقوم بها وسائل إعلام معادية في تغطيتها العامّة وسياسية تحريرها ضد العرب؟ هذا الاستطلاع ليس إلّا جزءًا من مناورة طيبي الجديدة لابتزاز الأحزاب العربيّة لتضمن له المزيد من المقاعد داخل المشتركة.

حركته هذه الأيّام بالتحضير لقائمة جديدة مقابل المشتركة تضم شخصيّات ورؤساء مجالس، تذكّرنا بما قام به عام 2015 عندما نظم مؤتمرًا ضد المشتركة وهدد بخوض الانتخابات مع شخصيات مختلفة، ليدير لها ظهره لاحقًا بعد أن ضمن مكانه في المشتركة ومكان صهره. وليس من المستبعد أن يتكرر نفس السيناريو هذا العام، أيضًا، خصوصًا بعد نتائج انتخابات السلطات المحليّة وأن ينجح في إخضاع المشتركة لمطالبه، فهو ليس بتلك القوة التنظيمية كالتي لدى الأحزاب، ويعلم أنها ستكون مغامرة فيما لو خاض الانتخابات بقائمة جديدة، إمّا أن تجعله قائدًا لتيار يجمع شخصيّات وشرائح باحثين عن مصالحهم الخاصة الضيقة (تمامًا مثله) وهذه حالة لا يمكن لها أن تدوم وستتناقض فيما بينها سريعًا، وإمّا أن تنتهي حياته السياسيّة بعدم تجاوز نسبة الحسم.

هذه الظاهرة لم تأت من فراغ؛ أو لنقل هي أتت من ذلك الفراغ الذي خلّفته الأحزاب، وتحوّلات سياسيّة واجتماعيّة جارية داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، تتقاطع مع تحوّلات عالميّة وصعود نماذج شعبوية في عالم السياسية في عدّة أماكن. والمتابع لردود فعل الأحزاب الرسميّة على خطوة طيبي بالانشقاق عن المشتركة، يلاحظ عدم وجود إرادة لمواجهة هذه الظاهرة وتحجيمها مرّة واحدة وإلى الأبد.