الإصلاح الحزبي المطلوب

الإصلاح الحزبي المطلوب

ربيع عيد

كتبت في مقالي الأسبوع الماضي "العمل الحزبي المفقود" عن المسببات الخارجية والداخلية بتراجع دور الأحزاب، وعن أهمية إصلاحها كمؤسسات وطنية سياسية. ولأن نقاشات هامة تجري هذه الأيام داخل الأحزاب في أراضي الـ48؛ ارتأيت أن أكتب عن الإصلاح وماهيته.

لم يعد بالإمكان لأحزابنا أن تستمر بالعمل وفق المنطق الذي ينظم نشاطها وديناميكياتها الداخلية، وتغيير جذري وعميق أصبح حاجة ملحة لا تؤجل لإنقاذ هذه الأطر من مآزق تنظيمية وثقافية عدّة.

تكمن أهمية عمليات الإصلاح داخل الأحزاب في كونها تقف أولًا عند سؤال التشخيص، فأي عملية إصلاحية يجب أن يسبقها تشخيص صحيح ودقيق للحالة التي تتوجب معالجتها، وسؤال التشخيص يضعنا أمام مراجعة لمراحل سابقة أدّت إلى الوصول للوضع الراهن، ما يحيلنا لخلاصات جوهرية حول العلل. عادةً ما يجري التعامل داخل الأحزاب مع سؤال التشخيص بشكل عابر، وقلّة من يخوضونه ويتجرأون على استعراضه لأنه يعرّي طبقات من الشعارات التي يحتاج الحزب أن يبثها خارجيًا حول قوّته أو ما يقوله القائد داخليًا حول إنجازاته في الوقت الذي يكون فيه الواقع مخالفًا لذلك. 

والخطير عندما يصبح مع مرور الوقت والتجارب والمعارك الحزبية، توافق ضمني داخلي فيما يتعلق بالتعامل مع التشخيص بشكلٍ عابر لا يلامس الحالة بشكل معمّق، حينها تُصبح حالة من التأقلم المهيمنة في هذا النهج، وأهمية الإصلاح هنا أنها ترفض التأقلم مع الوضع القائم الذي يعبّر عن تنازلاتٍ أمام شعارات وطموحات الحزب السياسية والتنظيمية.

يستهدف الإصلاح أمرين أساسيين: الثقافة والبنيّة الحزبيّتين.

في الثقافة الحزبية؛ يسعى الإصلاح إلى كسر النمط السائد والمسلمات والممارسات في حياة الحزب الداخلية التي شخصّها كعلل، ما يعني أن قضايا مثل المساءلة والمحاسبة والشفافية والتقييم عليها أن تُصبح جزءًا من النهج الدائم للحزب، وتحويل الحزب إلى مكان للحوارات والنقاشات الصحية والإنتاج الفكري.

أمّا في البنية الحزبية؛ يسعى الإصلاح إلى تقديم نموذج تنظيمي مختلف ومتطور وحديث يتلاءم مع متغيرات العصر، وهذا يعني أن أدوات وآليات عمل جديدة عليها أن تدخل في الحياة الحزبية تصيغ المبنى التنظيمي للهيئات وطريقة عملها، والأهم هو كيف يُبنى النظام الداخلي بصورة مرنة يسهل عملية وصول شرائح مجتمعية إلى العمل السياسي والحياة الحزبية ووصول الحزب لها.

ويُطرح هنا سؤال كيف يمكن إجراء عمليات الإصلاح داخل الأحزاب؟ هذا متعلق بطبيعة العمل الإصلاحي نفسه، فهناك عمليات إصلاحية تستهدف هيئات وقضايا محددة، وهناك عمليات إصلاح شاملة تستهدف كل المنظومة. لذلك تتعدد أدوات الإصلاح؛ ويمكن أن تشمل العريضة الداخلية، الإقناع المباشر، الكتابة، مبادرات ومشاريع عمل، تكتلات على برامج ومواقف، استقالة من منصب وقيادة حراك داخلي.

أي خطوة إصلاحية تستوجب، بدايةً، امتلاك الرؤية والإستراتيجية والإرادة الحقيقية للقيام بالإصلاح. لا توجد وصفة سحرية لإصلاح الأحزاب. هذه عمليات تحتاج وقتًا وجهدًا كبيرين يجري العمل فيها بشكل هادئ وثابت، وهي، وإن بدت إصلاحية هادئة في شكلها، إلا أنها تحمل أبعادًا ثورية في مضمونها.

عادة من يقومون بالإصلاح هم أقلية طليعية، لكن عليهم أن يكونوا أقلية متماسكة يمضون نحو تحويل الإصلاح وما يحمل من قيم إلى حالة ثقافية تُهيمن على الأغلبية، حتى الآن لم تقم محاولات إصلاح جدية من القاعدة الحزبية وليس رأس الهرم داخل أحزابنا، وهذه عمليات قد تستمر لأشهر أو عدّة سنوات هدفها ما هو لحظي قصير وما هو طويل الأمد.