"الحكم الذاتي" لا يحول دون تحول إسرائيل إلى نظام أبرتهايد

"الحكم الذاتي" لا يحول دون تحول إسرائيل إلى نظام أبرتهايد

سليمان أبو إرشيد

 بعد اعتراف أميركا بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، وحربها على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) كمدخل لتصفية حق العودة وقضية اللاجئين، وبعد وإعلان نتنياهو الأخير عن إمكانية سحب القانون الإسرائيلي على مستوطنات الضفة الغربية، بات واضحا أن مصطلح الدولة الفلسطينية قد أسقط من القاموس الأميركي الإسرائيلي، ومن أي تسوية سياسية يجري إعدادها في مطابخ الطرفين.

ومن مهازل القدر أن تصف صحيفة إسرائيلية أجواء المنطقة عشية الإعلان عن "صفقة القرن" التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، بحالة حرب على الموقف العربي، خاصة مصر والأردن، بين الفلسطينيين وبين واشنطن، حيث بتنا نشتاق إلى موقف "الاستنكار" و"الشجب" و"التنديد" العربي، حتى لو كان يفتقر إلى السند المادي، بعد أن كاد هذا الموقف ينحاز علنا إلى جانب إسرائيل.

وبغض النظر عما قد تتضمنه تلك الصفقة من تعد على السيادتين المصرية والأردنية، من خلال اقتراح منح الفلسطينيين أراضيَ في شبه جزيرة سيناء تعويضا عن أراضي الضفة الغربية التي سيجري ضمها لإسرائيل، أو من خلال اقتراح الكونفدرالية بين الضفة الغربية والأردن، وهو ما قد يتسبب بمعارضة الدولتين للصفقة، وليس أي شيء آخر، فإن إدارة ترامب تراهن على استمرار عزل الموقف الفلسطيني من خلال فصله عن الموقف العربي، الذي سيكون مثلما كان في قضية نقل السفارة "ساكتا" أو غير موافق على استحياء، ولكنه قطعا ليس حاضنا وداعما ومساندا للموقف الفلسطيني الرافض.

وفي وقت يرجح فيه استبدال مصطلح الدولة الفلسطينية التي شكلت حتى الآن أساسا للعملية السياسية، بمصطلح "الحكم الذاتي"، لفت حقوقي إسرائيلي الأنظار إلى أنه يفترض بأي حكم ذاتي في الضفة والقطاع في إطار اتفاقية سلام مع إسرائيل، لكي يكتسب شرعية قانونية، أن يشمل منح المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في نطاقه المواطنة الإسرائيلية، وحق التصويت للكنيست وإلا تحول إلى نظام أبرتهايد.

ويقول د. أوري فايس في مقال نشرته "هآرتس"، إنه يحاول تصحيح خطأ شائع في إسرائيل حول شرعية "الحكم الذاتي القانونية"، في ضوء ما يمكن أن تتمخض عنه صفقة ترامب، خطأ يعتقد بموجبه أنه يمكن منح الفلسطينيين حكما ذاتيا تحت السيطرة الإسرائيلية دون منحهم المواطنة الإسرائيلية وحق الانتخاب، معتبرا ذلك نظام فصل عنصري تشكل إقامته جريمة وفق القانون الدولي.

ويعدد الحقوقي الإسرائيلي أكثر من حالة لنماذج الحكم الذاتي، مثل الدنمارك وإسبانيا وغيرها، يتمتع فيها سكان تلك المناطق بالمواطنة وحق الانتخاب والتمثيل البرلماني، مشيرا إلى أن الحكم الذاتي الشرعي هو ليس وضعية قانونية سياسية، لا يكون فيها سكانه مواطنين في الدولة المسيطرة أو التمتع بحق الانتخاب، بل إنهم يحظون بإدارة ذاتية في أمور معينة مع بقاء خضوعهم للسلطة المركزية في أمور أخرى. ويضيف أنه طالما بقي سكان تلك المناطق تحت سيطرة الدولة المعنية، فلكي تحظى سلطات تلك الدولة بالشرعية القانونية يشترط فيها السماح بمشاركة سكان الحكم الذاتي في انتخابات هيئاتها، وهو ما يشكل التعريف الأبسط للعقد الاجتماعي الذي يعتبر حكم الدولة شرعيا فقط إذا ما تم بموافقة المحكومين.

وبدون شك، فإن هذه الالتفاتة هي إشارة أخرى إلى مأزق إسرائيل، التي أصبحت عالقة بين الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة وبين ضم الضفة الغربية والتحول إلى دولة ثنائية القومية ديمقراطية تمنح الجنسية لجميع مواطنيها أو إقامة نظام أبرتهايد، وفي هذا السياق يوضح لنا الحقوقي الإسرائيلي أن مخرجات مثل الحكم الذاتي وغيرها لا تعفي الدولة المسيطرة من منح المواطنة وحق الانتخاب لمناطق الحكم الذاتي التابعة لها.

فإذا اعتقدت إسرائيل وإدارة ترامب بإمكانية إضفاء الشرعية القانونية على واقع "كانتونات" الحكم الذاتي، الذي خلقته في الضفة الغربية تحت الاحتلال، والذي يمكنها من ضم الأرض الفلسطينية المحتلة دون ضم السكان، ها هو القانون الدولي يوضح لها دون لبس أن لا خيار أمامها سوى الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة أو التحول إلى دولة ثنائية القومية وعليها أن تختار بين أن تكون دولة ديمقراطية أو دولة أبرتهايد.